في هذه الأيام ليكتسبوا هذه السعادة ، ويتعرجوا إلى هذه ، ويتظاهروا من أنفسهم الألسن الذي هو مفطور في طبعهم . وكان تعيين هذا الموضع بموضع استوطن فيه صاحب الشريعة أولى ، لان الناس متى شاهدوا آثاره وشعائره ومناسكه ليعظم وقعه في قلوبهم ، ويستدعى سرعة الإجابة والمطاوعة اليه . فهذه اسرار هذه الصلوات .
واما ان الجماعة لا تتمشى بدون عادل يقتدى به المأمومون ، ولا يجوز خلف الفاسقين والمخالفين ، فإشارة إلى أن امر الدين لا يتمشى الا بامام معصوم ذات نفس قدسية ، وانه يجب ان يكون من اللّه ورسوله المختار ، لأنه صلى اللّه عليه قد نص على أمور ليس خطبها كخطب الإمامة ولا نفعها كنفعها . وانه كما أن الصلاة لو كانت خلف المخالف والفاسق لبطلت ، فكذلك أمور الدين : لو كانت مفوضة إلى غير هذا الامام ، بان يتصدى لها من هو ليس بالأهل بقوة أو مال وأعوان ومكنة دنياوية ، ليصير جارية على نهج البطلان والنقصان .
ثم إن لكل فعل ومنسك سر يطلع عليه الناظر بما لوحناه له في هذه المقالة الشريفة . ولنشر إلى بعضها بالاجمال فنقول :
واما السر في المسافرة للحج « 1 » وقطع هذا الطريق الطويل ومقاساة الغربة ، فهو ان يعلم أن كمال الأشياء كلها في الغربة ، لان جميع المحدثات كانت معدومة ، فالبلدة الأصلية لها بلد العدم ، والمسكن الأولى بها مسكن النفي المحض . ومن المعلوم انها ما دامت كانت في بلدة العدم ومقر النفي كان في حضيض النقصان . فلما سافرت من مقر العدم ومركز النفي إلى غربة عالم الوجود حصلت لها أنواع الكمالات واقسام السعادات . وهذا يدل على أن الكمالات لا تحصل الا بالسفر والغربة . وأيضا بعد الدخول كان الكل ترابا محضا على ما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام :
هامش
( 1 ) - في الأصل : الحج .