الانسان المشكل المجسم ؟
ومن عادة الجسم : ان لا يناجى ولا يجالس الا مع من يراه ويشير اليه ، فاذن هذا القول النبوي يكون محمولا على عرفان النفوس المجردة الخالية الفارغة عن حوادث الزمان وجهات المكان . فالمصلى هو ان يشاهد الحق مشاهدة عقلية ربانية ، لا رؤية جسدانية ، ويريده لا لشئ غيره ولا يؤثر شيئا على عرفانه ويكون تعبده له جل جلاله ، لأنه مستحق للعبادة ، ولأنها نسبة شريفة اليه لا لرغبة أو رهبة « 1 » ، بل لتجر نفسها عن خباب الغرور إلى جناب الحق الاحد ، فيصير مسالمة للسر الباطن حين ما يستجلى الحق ، ونوره لا تنازعه .
فمن فعل هذا فقد اخلص وصلى وما ضل وغوى ، ومن لم يفعل فقد افترى وكذب وعصى ، واللّه اجل من هذا وأعلى .
فقد لاح : ان الصلاة هي الحقيقية وهي المشاهدة الربانية ، والتعبد المحض وهو المحبة الإلهية ، وتضرع بالنفس التي يعبر عنها بالقلب .
ويكون الصلاة الظاهرية متعلقة بالقلب المحسوس والبدن المشكل .
ثم نقول : كما أن سبب الصحة هو الدواء ، وإذا لم يشرب الدواء لما ينال الصحة ، فكذلك الحال في الدعاء والتضرع ، فإنه قد جعل سببا لحصول امر ، فلا يصح وجوده من دون الدعاء وموافاته له ، فيكون سبب استجابتها هو توافق الأسباب معا للحكمة الإلهية وهو ان يتوافق سبب دعاء امرء فيما يدعو فيه . وسبب وجود هذا الشئ معا عن الباري عز اسمه على حسب ما قدر وقضى .
فالدعاء في الصلاة واجب وكذا في غيرها ، وتوقع الإجابة واجب ، والنفس الزكية عند الدعاء قد تفيض عليها من الأول قوة بها تصير مؤثرة
هامش
( 1 ) - ه ض : قال سيد الأولياء علي عليه السلام : ما عبدتك خوفا من نارك ، ولا طمعا في جنتك ، بل وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك .