ذكر اللّه تعالى والملائكة والجنة والنار حتى تقررت فيها هيئة الانزعاج من هذا البدن وتأثيراته وملكة التسلط على البدن فلا تنفعل عنه .
وإذا جرت عليها افعال بدنية لم تحدث فيها هيئة وملكة راسخة حدوثا لو كانت مخلدة اليه منقادة له من كل وجه . واليه ما ورد في التنزيل :
« إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ »
، فان دوام هذا الفعل من الانسان يفيد ملكة الالتفات إلى جهة اللّه جل جلاله واعراضا من الباطل ويصير شديد الاستعداد للتخلص إلى السعادة بعد المفارقة البدنية .
وهذه الأفاعيل لو فعلها فاعل ولم يعتقد انها فريضة من اللّه جل جلاله لكان يصل إلى حظ وافر ويحصل سعادة كاملة وخيرا فاضلا .
فكيف إذا استعملها ، لان النبي صلى اللّه عليه وآله قد فرضها عليه من عند اللّه العليم الحكيم .
فقد بان : ان سبب التكليف بالصلوات ما هو ، وان الفائدة في العبادات للعابدين هي ان تبقى بها فيهم السنة والشريعة التي هي من أسباب وجودهم . وأيضا فهي تقربهم عند المعاد من اللّه سبحانه والملائكة وعالم القدس والملكوت ، ولا يتصور فائدة اشرف وانفع وأشمل منها .
ثم إن الصلاة بالحقيقة هي مشاهدة الحق بالقلب الصافي المطهر من الأماني والغرور . وهذا لا يجرى مجرى الاعداد البدنية ، وانما يجرى مجرى الخواطر الصافية والنفوس الزاكية الطاهرة ، والمعول في هذه الصلوات انما هو على العقل الإلهي ، إذ قال النبي صلى اللّه عليه وآله :
« المصلى مناج ربه » ولا يكون مناجاته جل وعلا بالأعضاء الجسمانية والحواس الجسدانية ، لأن هذه المناجاة والمكالمة تصلح مع ما يحويه مكان ، ويدركه زمان ، ويحيط به شكل .
واما الواحد المنزه الذي لا يشار اليه بجهة من الجهات ، ولا يختلف حكمه من الصفات ، ولا يتغير ذاته في وقت من الأوقات ، فكيف يناجيه