يقبل الفعل عمّا هو أسبق منه وجودا « 73 » ، ويؤدّيه إلى ما بعده . فهو منفعل لما فوقه وفاعل لما دونه « 74 » ؛ وهو منفعل بالحقيقة فاعل بالمجاز والإضافة ، فيكون مبدأ الأفعال من فاعل لا ينفعل كغيره البتّة ، ومنتهاها إلى منفعل لا يفعل البتّة ؛ وما بينهما فاعل فيما دونه منفعل لما فوقه .
ولما ذكرناه في هذا الباب قالت الحكماء إنّ البارئ تعالى مع كلّ شيء « 75 » .
وإنّما أرادوا بذلك وجود آثار صنعته في الموجودات ، وسريان الوحدة منه التي بها تكوّنت « 76 » المحدثات . ولم يريدوا بذلك أنّه يحلّ الأمكنة « 77 » ، ويقع تحت الأزمنة أو يلتبس بشيء من العالم . تقدّس عن ذلك وعلا علوّا كبيرا .
وقد غلط قوم من الفلاسفة في هذا الموضع غلطا فاحشا ؛ فزعموا أنّ البارئ - تعالى عن قولهم - « 78 » سيّالة في العالم « 79 » ؛ ولهذا قال ثالس « 80 » :
هامش
( 73 ) في ط : عما هو أسبق وجودا منه .
( 74 ) في ط : وفاعل لما تحته .
( 75 ) في ط : في كل شيء إنما أرادوا .
( 76 ) في ط : تكون المحدثات .
( 77 ) في ط : أنه بكلّ الأمكنة .
( 78 ) عبارة ( عن قولهم ) لم ترد في ط .
( 79 ) في ط : صورة تتهيّأ له في العالم .
( 80 ) ثالس ، ويرسم عادة : طالس ( نحو 624 - 547 ق . م من ملطية ( في اليونان ) ، قال فيه في الموسوعة الفلسفية : 284 : أول فيلسوف إغريقي قديم معروف من الناحية التاريخية . واشتغل بالرياضيات والفلك ، واطلع على مدونات المصريّين والبابليّين عن الأجرام السماويّة . وفي الموسوعة الفلسفية المختصرة : ( 280 ) ويبدو أن طاليس قد قال بأن الأشياء كلها مملوءة بالآلهة » وفسّرت هنا بمعنى أنها مملوءة بالروح أو الحركة ، ومبدأ الحياة الذي بسبب سعته وقوته لا بدّ أن يكون إلهيّا .
وفي الموسوعة الفلسفية 1 : 227 قال د . بدوي : وهم يذكرون عن طاليس أنه كان يقول بإله واحد ، وأن هذا الإله مختلف عن الإنسان ، وأن صفات اللّه ليست تلك الصفات التي ينسبها الشعراء إلى الآلهة فإنها صفات إنسانية خالصة . ثم قال : إن ما ينسب إليه من هذه الناحية مشكوك فيه . . الخ ويراجع مقاله فيه .