المواضع خاصية في رؤية تلك الصور فيها .
وأمّا سبب إرائة الجنّ أنّ النفس الضعيفة القليلة الاشتغال بالبدن إمّا لقصر المدّة أو لعدم مطاوعة الآلة أو لهما « 1 » جميعا أو بسبب آخر إذا اشتغل برؤية الأمور المظلمة المدهشة وسماع الرقى الذي لا يفهم منها شيء بألفاظ غير مأنوسة حصل له الدهشة والحيرة التامّة وقوى انقطاعها عن علائق القوى البدنية الغير القويّة واشتغلت بالمتخيّلة القويّة رأت من الجنّ والصور المثالية ما يناسب حاله ومزاجه وما يسمعه من الحكايات ؛ ويحتمل أن يكون سبب الظهور الصور « 2 » الجنّية في بعض الصور دون بعض أن تكون لها أبدان قابلة « 3 » للتخلخل والتكاثف ؛ فإذا صارت متخلخلة صارت رقيقة القوام ؛ فلا يرى كالهواء المتخلخل ؛ وإذا صارت غليظة رؤى كالغيم ؛ فإنّ الغيم - كما حقّق في موضعه - قد يكون لتكاثف الهواء نفسها .
هذا ما يمكن أن يقال من قبل الإشراقيّين وإن أردت تحقيق ذلك وأمثاله من المسائل الحكمية - على ما هو المذهب المنصور - فعليك بمطالعة كتبنا الحكمية ؛ فإنّا قد ذكرنا فيها مسائل دقيقة شريفة وفوائد لطيفة نفيسة لم يسمع شبهه القرون والأدوار ، ولم يظفر بمثله العلماء في الأعصار ؛ وأوردنا فيها حلّ إشكالات وقعت لقاطبة المتأخّرين في كلام أكابر الحكماء الأقدمين وأساطين أماثل علماء الأوّلين وحقّقنا فيها المذاهب المورثة عن أكابر الحكماء وأفاضل العلماء وكلمة الأصفياء من الأنبياء والأولياء بالبراهين الساطعة والدلائل القاطعة على ما سمح « 4 » به فكري وانتهى إليه نظري وما جريت على مدارك المتأخّرين في أخذ معاني القوم وسنخ ألفاظها ، بل ما ذكرت كلام غيري إلّا ونسبته إليه .
وبالجملة : ما ذكرناه فيها هي الحكمة الممنون بها على أهلها المضنون بها على غير أهلها لا التي أكبّ لم يمنع عن غير أهلها لا التي عليها القواصي والدواني ؛ فصارت مشوّشة معلولة مزخرفة مدخولة وعاد - كما قيل - من كثرة الجدل والخلاف كعلم الخلاف غير مثمر كالخلاف ؛
هامش
( 1 ) . م : بهما .
( 2 ) . ج : صور .
( 3 ) . ج : + لها .
( 4 ) . ج ، م : سمحت .