وقد نفى هذا الفيلسوف عن نفسه شبهة قد ترد عليه ، بسبب أعتناقه لمذهب الفيض ، حيث يرى أن الكائنات رغم صدورها عن الله تعالى ، فهي لا تشبهه . وقد ذهب أفلوطين من قبل إلى مثل هذا ، إذ نبه على أن النفس مختلفة عن الله تعالى ، وأن كانت مستمدة منه ، ولذلك فهي تحبه بالضرورة حب الجميل للجميل .
ويستدرك أبن كمونة بعد أن ذكر ما يدل على سلب الصفات غير اللائقة بالذات الإلهية ، تنزيلها لها ، فيذكر صفات أيجابية فعالة ، لئلا يقع في خطأ الافراط في الجانب السلبي ، حتى لا يصل إلى مرتبة التعطيل ، كما فعل أرسطو . ولهذا نرى أبن كمونة ينعت واجب الوجود بأنه قادر وحكيم وجواد وحق . ونجد هذه الصفات متفقة مع القرآن الكريم ، ومع آراء علماء الكلام والصوفية في كثير من الجوانب .
وليست صفات الواجب سببا في اتصافه بكثرة ما ، فعلمه سبحانه بذاته هو نفس ذاته لا زائد عليها . وكذلك علمه بذاته ، وعلمه بمعلولاته ليس بزائد عليها ، وهو لا يحوج إلى صفات متقررة في ذاته .
وعند التدقيق يمكن أن يقال أن هذا الرأي الفلسفي هو بالضبط مما تبناه المعتزلة من الفرق الكلامية .
ومن الواجب أن ترجع أضافات الواجب كلها إلى أضافة واحدة ، لان الإضافات المختلفة توجب اختلاف حيثيات فيه ، فكانت ذاته تتقوم من عدة أشياء ، وليست الحقيقة كذلك . ومن الإضافات والسلوب تتفرع صفات لا سبيل لحصرها مثل : الخالق الباريء المصور القدوس العزيز الجبار .
وأبطل أبن كمونة أن تكون الأجسام بأسرها هي الصادر الأول ، سوى العقل المحض ، فهو الذي يصدر أولا عن واجب الوجود . وكذلك لا يجوز أن يفعل واجب الوجود لغرض ، وألا كان مستكملا بفعله ، سواء كان الغرض عائدا إلى ذاته أم إلى فعله . وهنا لا نجد مشكلة الصلاح
الجديد في الحكمة — صفحة 610
مساهمون: ابن كمونة
ص٦١٠