وهناك أيضا أدلة الامكان والاحتياج والثبات ، وكلها محتاجة إلى خالق يودعها الأشياء . وهكذا برهن هذا الفيلسوف على أثبات وجود الله تعالى ، بطرق عقلية تستند إلى الكائنات الممكنة . وهذا الاستدلال قد سبقه اليه ، أبن سينا وعرف بين الفلاسفة بدليل الواجب والممكن ، لكن أبن كمونة يزيده أيضاحا ، ويمنحه تفصيلا يضفي عليه قوة جديدة .
ويتضح من هذه الدراسة أن واجب الوجود « واحد » فلا يقال على كثرة . وكل ما هو واجب الوجود لذاته ، فأن نوعه لا بد وأن ينحصر في شخصه ، إذ أنه لو حصل اثنان من واجب الوجود لاشتركا في الماهية ، وأمتازا بالهوية ، فيكون كل منهما مركبا مما به الاشتراك ومما به الامتياز ، وكل مركب مفتقر إلى جزئه ، فلا يكون واجبا بذاته .
ومن المحال أيضا صدور هذا الكون عن واجبين معا ، لارتباط أجزاء العالم أرتباطا شديدا مثل شخص واحد . وفيه اتحاد بين أعراضه وجواهره ، فهو أذن واحد . فلو أجتمع عليه - تأثيرا وتدبيرا - واجبان أو أكثر لحدث بطلان كبير ، سواء أستبد أحدهما أو كلاهما بالأمور .
وبذلك يكون الواجب واحدا .
فهنا محاولة عقلية للبرهنة على أثبات أن نوع الواجب لا يدخل تحته شخصان فأكثر ، ولهذا أمتنع تماما أن يوجد شخصان هما واجبا الوجود .
وإذ كان الله سبحانه واجب الوجود ، فمن الحق ألا تساوي حقيقته حقيقة أي ممكن ، لعدم تساوي الواجب والممكن في الوجوب والامكان ، فيكون كل واحد منهما ممكنا واجبا معا ، وهو باطل ، فهو سبحانه لا يشاركه شيء من الأشياء في معنى جنسي أو نوعي ، لأنه منفصل بذاته .
ومما يجب هنا نفي التركيب عن الواجب سبحانه ، وكذا نفي التوليد والحلول والند والضد والمكانية والزمانية والعدم .
الجديد في الحكمة — صفحة 609
مساهمون: ابن كمونة
ص٦٠٩