تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في الحكمة — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
يختلف عما يراه المناطقة الوضعيون ، من عدم التفريق بين المادة والصورة ، إذ يرون أرتداد الفكر إلى معطيات حسية . ومما يعلم هنا لدى أبن كمونة ، أن المباديء أما تصورية وأما تصديقية ، ذلك أن حضور الشيء في الذهن هو نفس الادراك ، ويسمى « تصورا » . أما ما يلحقه لحوقا يجعله محتملا للتصديق أو التكذيب ، فيسمى « تصديقا » ، وهو ليس ألا حكما بمتصور على متصور . على أنه ليس هناك ما يطلب في العلوم غير هذين ، فقد أنحصر المعلوم في معلوميهما ، والمجهول في مجهوليهما . وينبغي أن يعلم كذلك ، أن الفكر الموصل إلى التصور هو : « القول الشارح » ، والفكر الموصل إلى التصديق هو « الحجة » . ويشير أبن كمونة في هذا المقام ، إلى وجوب انحصار جهد المنطقي هنا ، في النظر في مبادئ كل من القولين ، وتأليفهما على الوجه الكلي القانوني ، دون التفات إلى المواد المخصوصة بالمطالب الجزئية . وهذا لا يعفي المنطقي من النظر في الالفاظ ، من حيث هو معلم للمنطق أو متعلم له ، ذلك لوجود علاقة وضعية بين اللفظ والمعنى . ومما يستفاد من البحث هنا ، أن المنطق تذكير وتنبيه ، وعلم متسق لا يقع فيه غلط ، فما يستنبط بالفكر من المنطق ، هو غني عن منطق آخر . وتجنبا للمحال بأكتساب مجهول بمجهول ، فلا بد من انتهاء المباديء إلى تصورات وتصديقات بدهية ، فلا تصديق ألا على تصورين فصاعدا . ومن هذا يبدو تأثر ذلك الفيلسوف واضحا بالمنطق الارسطي وغيره ، فقد كانت الفلسفة اليونانية ذائعة بين العرب في ذلك الوقت ، وتأثر بها العديد منهم ، كما يتضح من فكر أبن سينا والفارابي وأخوان الصفاء وغيرهم .