تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في الحكمة — صفحة 601

مساهمون:

ص٦٠١
ويرى هذا الفيلسوف ، أنه لا عذر لمن أنصرف عن تحصيل هذه الحكمة ، أو قعد عن تمهيد قواعدها وأصولها . كما لا يعد من أهل العقل من يكذب أهل الحكمة والتنزيل ، دون دليل أو مستند . وهذه محاولة من أبن كمونة لتأكيد مبدأ التوفيق بين الدين والفلسفة . وينهج أبن كمونة في تأليفه نهجا يشغل نفسه ، بإيراد المسائل الخالية من اليقين ، أو تلك التي لا يجدي تحقيقها بطائل . ومن هنا فهو يركز على كل ما ينتفع به العلم بالله تعالى وتوحيده وتنزيهه وصفات جلاله وعجائب مخلوقاته ، التي تدل عى كبريائه وعظمته سبحانه . وقد أهتم هذا المفكر أيضا ، بذكر ما ينتفع به ، أثبات الملائكة ، والنفوس ومدركاتها ، وبقائها بعد فناء البدن ، وفي أبدية هذه النفوس وتزكيتها . كما ألقى الضوء على خصائص النبوة والولاية . وبذلك استطاع أن يجمع الفكر الذي يعصم من الضلال ، ويسعد الانسان في الآخرة . وأبن كمونة - باعتباره أنسانا - لا ينسى تقصيره ، ولا يتكبر بعمله على الدراسين ، لكنه أيضا يجل كتابه عن أن تتناوله أيدي الجهال ، إذ ليس يعرف قدره ألا المحقق ، الذي أطال النظر والبحث في كتب الأوائل . وكأنه يتمثل العظمة المشهورة والقول السائر ، الذي تزعم بعضه المصادر نسبته إلى نبينا أو إلى السيد المسيح عليهما صلاة الله وسلامه « لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم » . وإذا كان أبن كمونة قد برهن على سعة اطلاع ودقة فكر وشمول دراية ، فأن ذلك كله لم يصرفه عن اللجوء إلى الله والضراعة اليه في أن يحيطه بالسداد ويشمله بالتوفيق ، وفي أيجاز ، نجد النغمة الدينية سارية في كثير من القضايا الفلسفية التي عرضها أو عرض لها .
الجديد في الحكمة — صفحة 601 | ابن كمونة