لذلك لا تستطيع الجزم بهذا ، وتبين أنه صاحب مواهب متعددة ، في الحكمة والمنطق والأدب والكيمياء وغيرها . وليس هذا غريبا على علماء تلك العصور السالفة ، إذ توجد لدينا أمثلة عدة من أصحاب المواهب وذوي العقول التركيبية الموسوعية ، غير أبن كمونة ، من أمثال أبن سينا وأبن رشد والغزالي والجاحظ .
وقد اتضح لنا من خلال تحقيق هذا المخطوط « الجديد في الحكمة » أن أبن كمونة عالم مطلع أطلاعا كبيرا ، على الفكر الفلسفي لدى سابقيه ومعاصريه ، وأنه تمثل هذا الفكر وهضمه وأنتفع به في تأليفه .
وقد ألمحنا خلال الدراسة إلى أن كتاب « الجديد في الحكمة » لم يكن هو الكتاب الوحيد الذي ألفه أبن كمونة ، بل أن له بعض الشروح على « الإشارات والتنبيهات » لابن سينا ، وعلى « التلويحات » للسهروردي .
كذلك فأن له كتابا محققا منشورا في « كاليفورنيا » ، وهو « تنقيح الأبحاث للملل الثلاث » ، والذي وجدنا بعض قضاياه في « النبوة » مطابقة - تقريبا - لألفاظ ومعاني الفصل الخامس من الباب الخامس في مخطوط « الجديد في الحكمة » . وقد قمنا هناك ببعض المقارنات التي تثبت صحة ما نذهب اليه في هذا المقام .
وقد رأينا من خلال المخطوط مدى ما يتحلى به أبن كمونة ، من سمات أنسانية ودينية ، تتجلى في تأكيده على الايمان بالله تعالى وباليوم الآخر ، وعلى عمل الصالحات ، فذلك هو غاية الكمال الانساني ، بما يجعل المرء يفوز بالسعادة السرمدية ، وينجو من الشقاء الأخروي .
وبذلك يؤكد أبن كمونة أن الفلسفة ظهير للدين لا عدو ما دامت ملتزمة للحق ومبنية على البرهان .
ومن ثم يؤكد على تعلم « علم الحكمة » الذي يجعل الانسان قادرا على الايمان الأصيل دون تقليد أعمى ، ففي هذا كمال للنفس الانسانية ، على حسب الطاقة البشرية ، وبذلك يتجنب الانسان الوجوه الظنية والتقليدية .
الجديد في الحكمة — صفحة 600
مساهمون: ابن كمونة
ص٦٠٠