ولو وجدت الأمور كلها بريئة من الشر ( لوحة 373 ) ، وعلى حالة واحدة وصفة واحدة ، لكانت الماهيات واحدة ، ولم يكن نقصانها عن مرتبة « الأول » - تعالى - متفاوتا ، وكما أن ماهيات الأنواع تتفاوت في ذلك ، فكذلك ماهيات الاشخاص التي تحت الأنواع .
والنوع المفسد للانسان مثلا ، هو في ذاته كامل ، وأنما يعده من الشر من يظن خلق العالم ، أنما هو لأجل الانسان ، لا غير ، وليس كذا .
ولما وجب وصول بعض الأجسام الكائنة الفاسدة ، إلى بعض ، حتى يحصل المزاج ، لزم أن يفسد بعضها بعضا ، وذلك كوصول النار إلى ثوب إنسان ، فتحرقه ، فمن المحال أن تكون النار نارا والثوب ثوبا .
وهذا النظام الفاصل هذا النظام ، ثم يصل اليه ، فلا يحترق .
ومحال ألا يكون للنار وصول إلى الثوب ، تحت هذه الحركات التي هي أفضل أنواع الحركات .
فمثل هذا الشر بالضرورة ، من لوازم العناية ، ويمتنع أن يكون مقتضى جميع الحركات واحدا ، بل مقتضي كل حركة غير مقتضي الأخرى ، فيكون مقتضى واحدة موافقا ، ومقتضى الأخرى غير موافق .
فلهذا وجب أن تكون الأمور المنسوبة إلى الشر موجودة ، في هذا النظام وكله حكمة وخير .
ولما لم يكن في وجود الانسان ، من وجود قواه المتضادة ، ولم يمكن تعادلها ، حتى لا يغلب أحدها الآخر ، والا كانت الاشخاص واحدة ، وجب من ذلك أن تتأدى أحوال بعض الناس ، إلى أن يقع لهم عقد ضار في المعاد وفي الحق ، أو فرط شهوة أو غضب ضارين لذلك الانسان ولغيره .
ولا تجد شيئا مما يقال له شر من الافعال ، ألا وهو كمال لسببه الفاعل ، وعسى أنه شر بقياس القابل أو بقياس فاعل آخر يمنع عن فعله في تلك المادة .
الجديد في الحكمة — صفحة 596
مساهمون: ابن كمونة
ص٥٩٦