وقد خلق أعضاء كل حيوان ، بحسب ما يوافق طباعه ، كالمخاليب والأنابيب للمفترس ، وآلات السباحة للسابح الذي مسكنه الماء ، وعلى هذا سائرها .
وكل ذلك من نطفة داخل الرحم . وهذا الذي قد ذكرته هو قطرة من بحر منافع الأعضاء ، وما فيها ، وفي أفعالها من عجائب الحكم .
ونعم الله تعالى خارجة عن حصرنا وأحصائنا .
وليس ذلك مخصوصا بالحيوان الكبير والمتوسط ، بل الحيوانات الصغار أيضا كالنمل والبعوض ، فأن فيها من آثار عناية الباريء عز وجل ، في خلقتها والهامها مصالحها ، ما لا يكاد أن يغفل عنه ألا البليد .
أنظر إلى خرطوم البقة ، كيف يجذب به الدم من البشرة ، لغذائها ، وكيف قد ألهمت أن تغيصه في الجلد واللحم ، وتمص به الدم الموافق لها . وكيف قد خلق فيه مع لينه قوة يتمكن بها من الغوص في البشرة الحاسية . وأنظر إلى العنكبوت وتسديته ما يصاد به الذباب بالحيلة اللطيفة والالهام العجيب .
ومن آثار العناية في النبات ، ما يرى من عرقه الناشب في الأرض ، لاجتذاب الماء من أعماقها ، مخلوطا بما يجري عليه وينجذب منه ، من لطائف الأرض ، في أنجذابه وسيلانه ، حتى يصير غذاء له ، ثم يحمله إلى الساق الواحد ، الذي يصير كأرض فوق الأرض ، بل يصير واسطة بين النبات وبين الأرض ، حتى نقل مواضع الثمر من الشجر عن الأرض إلى الجو الذي يلقاه فيه الهواء المنضج الملطف ، ثم تتفرق الأغصان في الجهات ، حتى لا تتزاحم الثمار وتكثر ، بقدر كثرة المادة ، التي تحملها الساق من تلك العروق ، من تلك المياه الغائرة ، فعرقها ناشب في الأرض ، لاخذ المادة الجسمانية ، وفرعها صاعد ( لوحة 371 ) في الجو لاستمداد القوى الروحانية ، فيعيش هذا بأمداد هذا ، وهذا بأمداد ذاك .
الجديد في الحكمة — صفحة 589
مساهمون: ابن كمونة
ص٥٨٩