وتنتهي العقول في النقص إلى عقل لا يصدر عنه عقل . والحال في ذلك كالحال في الأنوار المحسوسة ، إذا كانت نورية بعضها مستفادة من نورية بعض ، إلى أن تنتهي في النقص إلى نور ، لا يظهر عنه نور آخر .
والتفاوت في الكمال والنقص قد يكون : من جهة الفاعل ، وقد يكون من جهة القابل ، وقد يكون من جهتيهما معا . فما لا قابل له فتفاوته في ذلك ، يكون بسبب رتبة فاعله ، وكمال الواجب ، لا علة له ، بل هو الوجود المحض ، الذي لا يشوبه فقر ونقص .
والعقل الأول هو أكمل الممكنات وأشرفها ، وهو فقير في نفسه ، غني بالواجب . ووجود المعلول من العلة ليس بأن ينفصل منها شيء ، فأن الانفصال والاتصال من خواص الأجسام . بل على أنه موجود بها فحسب ، كما هو الحال في أشراق نور الشمس .
ولا يمتنع في بديهة العقل أن يكون المعلول يقبل عن علته ، بعد صدوره عنها ، أعني البعيدة الذاتية هيئة أو هيئات .
وإذا قبل العقل الأمر الأول من الواجب هيئة ، فلا يوجب ذلك أن يكون الواجب متكثرا ، بسبب أعطاء الذات والهيئة ، فأنهما لم يوجدا عنه ، لمجرد ذاته ، بل أحدهما ، وهو الذات ، هو لذاته فحسب ، والآخر ( و ) « 1 » هو الهيئة لصلوح القابل ، فالمجردات « 2 » . فقد تنعكس الأنوار من بعضها على بعض ، كما تنعكس الأنوار المحسوسة من الأجسام .
وكل سافل يقبل من الواجب ، بتوسط ما فوقه رتبة رتبة . إذ المجردات لا يحجب بعضها عن بعض ، فأن الحجاب من خاصية الأجسام والابعاد وشواغلها ، وبمشاركة الذوات مع هيئة « 3 » الأشعة ، وبمشاركة بعض هذه الأشعة مع بعض تتكثر الموجودات المجردة وغيرها .
ويكون منها ما هي متكافئة في الوجود ، ومنها ما هو في سلسلة العلية والمعلولية طولا .
هامش
( 1 ) سقطت من ك .
( 2 ) ك « والمجردات » .
( 3 ) ك « هذه » .