وقد بين أن علمه بذاته هو نفس ذاته ، غير زائد عليها ، وهي ممكنة محتاجة إلى موجد ، فموجدها يجب أن يكون أكمل منها في العلم والحياة ، إذ العلم والحياة من الكمالات التي هي غير زائدة على الذات ، كما علمت . وكذلك الكلام في موجد الموجد ، إلى أن ينتهي إلى الواجب الذي له الكمال الاعلى ، فيجب أن يكون علمه وحياته أتم وأكمل من كل علم وحياة في الوجود .
وأنت تعلم من كونه عالما بفعله ، ومن كون علمه فعليا ، مع أنه لا مكره له على الفعل ، أنه مريد لكل أفعاله ، فأن الكل فائض منه ، غير مناف لذاته ، حتى يكون كارها له .
فهو أذن راض بفيضانه منه ، وليس من شرط المريد كونه بحيث يصح ألا يريد ، وهو قادر ، بمعنى أن ما يصدر عنه ، أنما يصدر بمشيئته ، ولو شاء ألا يفعل لما فعل ، لكن ليس من شرط صدق هذه القضية صدق قولنا : أنه شاء ألا يفعل وما فعل ، لان صدق الشرطية لا يتوقف على صدق مقدمها .
ولان القادر حال توفر دواعيه على الفعل قادر على الفعل ، لا لأنه شاء ألا يفعل ولم يفعل ، فأن ذلك لا يصدق ، مع ( صدق ) « 1 » أنه شاء وفعل ، بل لأنه بحيث لو شاء ألا يفعل لما فعل .
والواجب لذاته ، وأن استحال في حقه مشيئة ألا يفعل ، لكنه يصدق عليه أنه لو شاء ألا يفعل لما فعل ، فلا جرم كان قادرا ، وهو حكيم ، بمعنى أنه يعلم الأشياء على ما هي عليه ، تصورا وتصديقا . وبمعنى أن فعله مرتب محكم جامع لكل ما يحتاج اليه من كمال وزينة .
وهو جواد بمعنى أنه أفاض « 2 » الخير والانعام ، من غير غرض وفائدة ترجع اليه . فإنه أفاض الوجود على الممكنات كلها ، كما ينبغي وعلى ما ينبغي ، بلا غرض ولا منفعة تعود إلى ذاته ، بل لان ذاته ذات تفيض منه على الخلق كلهم ، كل ما هو لائق بهم .
هامش
( 1 ) سقطت من ك .
( 2 ) في ك « أفاذ » ، أ « أفاد » .