والعلم بالعلة التامة لا يتم من غير العلم بوجه أستلزامها لجميع ما يلزمها لذاتها ، وهذا فيستدعي العلم بلوازمها القريبة بالضرورة ، فهو أذن يعلم جميع ما بعد المعلول الأول ، من حيث وجوبه به ، وأنتهاؤه اليه في سلسلة المعلولات المترتبة ، ويدخل في ذلك سلسلة الحوادث ، التي لا أول لها ، من جهة كونها جميعا ممكنة ومحتاجة اليه أحتياجا ، تتساوى اليه في جميع احادها .
وكما أنه يدرك ذاته بذاته ، من غير أفتقار إلى صورة زائدة ، فكذلك أدراكه لما يصدر عن ذاته ، هو نقش صورة ذلك الصادر عنه ، التي هي حاضرة له ، من غير أنطباع . وعلى مثل هذا يدرك سائر معلولاته .
وقد علمت أنه ليس من شرط التعقل ، أنطباع صورة المتعقل في ذات العاقل على الاطلاق .
وأنما يشترط فيه ذلك ، إذا لم يكن التعقل متجددا « 1 » ، ولا المدرك حاضرا عند المدرك .
فأن البرهان على وجوب حصول صورة المدرك في المدرك ، لم تقم ألا فيما هو كذلك ، لا غير . بل شرط التعقل مطلقا هو مجرد الحصول ، لا الحصول على نعت الانطباع .
وفاعل الشيء فقد حصل له ذلك الشيء ، لا محالة ، وليس حصوله له بأدون من حصوله لما هو قابل له ، فالواجب يعقل ذاته ، ويعقل ما سواه ، لحصوله له ، ضرورة كونه فاعلا له .
وإذا عقلت الجواهر المجردة ما هو غير معلول لها ، بحصول صورة فيها ، وجب أن يكون الواجب تعقل تلك الجواهر ، مع ما فيها من الصور إذ الجميع حاصل له .
وليس تعقله لها بصور أخرى ، بل بأعيان تلك الجواهر ، وما فيها فلا يغرب عنه شيء من صور الموجودات : الكلية والجزئية ، من غير حصول صورة فيه ، ولا اتصافه بصفة حقيقية .
هامش
( 1 ) ك « غير متحدد » .