فإذا حاكت المتخيلة تلك المعاني الكلية التي أدركتها النفس بصور جزئية ، ثم أنطبعت تلك الصور في الخيال ، وانتقلت إلى الحس المشترك فصارت مشاهدة : فأن كان المشاهد شديد المناسبة لما أدركته النفس من المعنى الكلي ، حتى لا تفاوت بينهما الا بالكلية والجزئية ، كانت الرؤيا غنية عن التعبير ، وأن لم يكن كذلك فأن ( كانت ) « 1 » هناك مناسبة يمكن الوقوف عليها ، والتنبيه لها ، كما إذا صور المعنى بصورة لازمة ، أو ضده ، احتيج حينئذ إلى التعبير . وفائدة التعبير هو التحليل بالعكس على الوجه المذكور ، حتى ترجع من الصور ( لوحة 329 ) الخيالية إلى المعاني النفسانية . وأن لم تكن هناك مناسبة ، فتلك الرؤيا مما يعد في أضغاث الأحلام .
وأن كانت الصور التي أدركتها النفس من تلك المباديء جزئية ، فقد تثبت تلك الصورة ، وقد لا تثبت . والتي تثبت أن حفظتها الحافظة على وجهها ، ولم تتصرف القوة المتخيلة المحاكية للأشياء بتمثيلها ، فتصدق هذه الرؤيا ، ولا تحتاج إلى تعبير « 2 » .
وأن كانت المتخيلة غالبة ، أو أدراك النفس للصور ضعيفا ، سارعت المتخيلة بطبعها ، إلى تبديل ما رأته النفس بمثال ، وربما بدلت ذلك المثال بآخر ، وهكذا إلى حين اليقظة « 3 » .
هامش
( 1 ) سقطت من ك ، أ .
( 2 ) وفي مثل هذا المعنى نجد ابن كمونة يقول في كتابه « تنقيح الأبحاث ص 14 » : « المنامات الصادقة ، كالأنموذج من النبوة . وربما حصل منه حدس يكفي في الايمان بأصل النبوة » .
( 3 ) في نفس الفكرة يقول أبن سينا : « أن النائم يتخيل ، وأعضاؤه أيضا قد تطيع تحريكه عن تخيله . . . كمن يرى في منامه شيئا مخيفا جدا ، أو حبيبا جدا ، فربما أنزعج للهرب أو للطرب » الإشارات والتنبيهات 2 : 426 .