وبهذا علم أن التفات النفس إلى جانب البدن ، مانع لها عن تلقي المغيبات ، وأنها متلقية للغيب من الجانب الاعلى ، ولهذا قد يستعين بعضهم في تلقي الغيب بأقوال « 1 » مجبرة للحس الظاهر « 2 » موقفة للخيال ، فيستعدون بذلك لتلقي ما يتلقونه منه ، بحسب الاستعداد المخصص له .
والمدركات التي تدركها النفس في حالة النوم ، وما يجري مجراه ، من الأحوال التي نبهت عليها : أما أن يكون أدراكها بسبب اتصال النفس بعالم الغيب ، عندما يحصل لها فراغ عن شغل البدن ، أو لا يكون أدراكها لها ، كذلك فأن كان الأول فذلك الادراك أما أن يكون عند كون الانسان نائما ، أو عند كونه يقظان .
فأما الذي عند النوم فسببه ركود الحواس ، بسبب أنحباس الروح الحاملة لقوة الحس عنها ، لان النفس لا تزال مشغولة بالتفكير فيما تورد الحواس عليها « 3 » . فإذا وجدت فرصة الفراغ ، وأرتفع عنها المانع ، أستعدت للاتصال بالجواهر الروحانية ، فأنطبع فيها ما في تلك الجواهر من صور الأشياء لا سيما ما هو أليق بتلك النفس من أحوالها ، وأحوال ما يقرب منها من الأهل ، والولد ، والبلد .
هامش
( 1 ) أ « بأفعال » .
( 2 ) يرى هذا الفيلسوف أن أول ما يخلق في الانسان هو الحواس الخمس الظاهرة ، وهي : اللمس والذوق والشم والسمع والبصر ، وان كلا منها قاصر عن أدراك مدرك الاخر . وبذلك تكون الحواس مرحلة أولية في معارف الانسان . راجع له : تنقيح الأبحاث ص 2 .
( 3 ) يرى أبن كمونة أن تمييز الانسان يرتبط بترقية عن المحسوس ، فهو يقول : « إذا تجاوز الانسان عالم المحسوسات خلق فيه التمييز ، وهو طور آخر من أطوار وجوده ، يدرك فيه ما لا يوجد عند الحس الظاهر » تنقيح الأبحاث ص 2 .