وههنا تفنى القوة الحيوانية ، ثم القوة الحيوانية بالجملة تخدمها القوة النباتية ، وأولها وأرأسها المولدة ، ثم المربية تخدم المولدة ثم الغاذية تخدمها جميعا . ثم القوى الطبيعية الأربع ، تخدم هذه ، والهاضمة تخدمهما من جهة الماسكة ، ومن جهة الجاذبة والدافعة .
وتخدم جميعها الكيفيات الأربع . لكن الحرارة تخدمها البرودة ، وتخدم كلاهما اليبوسة والرطوبة وجاز أن تكون النظرية والعملية مجرد أعتبارين للنفس لا غير .
وجاز كونهما بسبب قوى ثابتة في النفس أو هيئات ولا مانع أن يكون كمال القوتين ونقصانهما ، بسبب أستعدادات تلحق من القوى البدنية ، وأحوال المتخيلة وكثرة التفات النفس وقلته إلى أحد الجانبين ، أعني : العالي والسافل . ولأحوال المزاج فيه مدخل ، كما قد يكون بعض الناس مزاجه يناسب الغضب أكثر ، وبعضه الأمور الشهوانية ، وهكذا الخوف والغم وغيرها .
ولا يعرض ذلك للنفس من حيث جوهرها ، بل بعضه يعرض للبدن من حيث هو ذو بدن ، كالشهوة والغضب . وللمباديء الغائبة عنا فيما يحدث في النفس مدخل عظيم ، قد سبق منه أنموذج .
والنفس هي أصل القوى كلها ، وليس فينا نفس أنسانية وأخرى حيوانية وأخرى نباتية ، لا يرتبط فعل بعضها بفعل بعض ، فأن لك أن تقول : أحسست ، فغضبت ، وأدركت فحركت فمبدأ الجميع أنت ، وأنت نفس شاعرة ، كل القوى من لوازمها ، وهي بجملتها آلات لها ، إذ المحركة ليست الا لجلب النافع ، أو دفع الضار . والمدركة ليست الا كالجواسيس التي تقتنص الاخبار ، والمصورة والذاكرة ، هي لحفظها .
الجديد في الحكمة — صفحة 443
مساهمون: ابن كمونة
ص٤٤٣