ونظير ذلك في النفس بالقياس إلى معقولاتها المكتسبة بالنظر ، أن يحصل فيها من المعقولات الأولية ما يمكنها أن تتوصل منها وبها إلى المعقولات الثانية ، وحينئذ تسمى عقلا بالملكة ، وان كانت بالقياس إلى ما قبلها بالفعل . والانتقال من الأوائل إلى الثواني قد يكون بالفكر ، وقد يكون بالحدس ، بأن يتمثل الحد الأوسط في الذهن دفعة : أما عقيب طلب وشوق من غير حركة ، وأما من غير أشتياق وحركة ، ويتمثل معه المطلوب وما يلزمه . فلا فرق بين الفكر والحدس ، ألا وجود الحركة في الفكر وعدمها في الحدس .
وكلاهما يختلف فيه الناس في قلته وكثرته ، وبطئه وسرعته .
وكما تجد جانب النقصان ينتهي إلى عديم الحدس ، وغير منتفع بالفكر فأيقن أن الجانب الذي يلي الزيادة يمكن أنتهاؤه إلى غنى في أكثر أحواله عن التعلم والتفكر ( لوحة 327 ) وثالث المراتب المذكورة ، هو أن يكون فقط ، كقوة الكاتب المستكمل للصناعة « 1 » ، إذا كان غير كاتب بالفعل .
ونظيره في النفس ، أن تحصل لها الصور المعقولة المكتسبة ، بعد المعقولة الأولية ، الا أنه ليس يطالعها ويرجع إليها بالفعل . بل كأنها عنده مخزونة ، فمتى شاء طالعها ، فعقلها وعقل أنه عقلها . ويسمى عقلا بالفعل ، وان كان بالقوة إذا قيس إلى ما بعده ، ألا أنه قوة قريبة إلى الفعل جدا .
ورابع تلك المراتب ، هو أن يتحصل بالفعل ما كان الاستعداد له أن يفعل متى شاء من غير حاجة إلى أكتساب ، بل يكفيه أن يقصد أستعدادا لها ، كالمستكمل لصناعة الكتابة ، في حال مباشرته لها ، وهذه هي الفعل المطلق .
هامش
( 1 ) أ « الصناعة » .