فالسواد زائد ( لوحة 285 ) على الجميع ، وليس لا شيء محض ، فان اللاشيء لا ينتقل عنه حاسة .
وقد تتفق الأجسام في الأشكال ، وتختلف في الألوان . ولو كان اللون نفس الشكل ، لما كان كذا ، ولكان للهواء لون محسوس ، لكون له شكل .
وبمثل هذا يظهر الفرق بين كثير من الأعراض . وأما الأضواء فحقيقتها الظهور للبصر ، ويقابله الخفاء المطلق ، وهو الظلمة . والضوء تختلف مراتبه بالشدة والضعف ، بحسب مراتب القرب والبعد من الطرفين . وقد يظن أن الأشعة أجسام شفافة ، منفصلة عن المضيء ، ومتصلة بالمستضيء ، وهو باطل ، والا لكان إذا سدت الكوة بغتة ، ما كان بقيت ولو توهم بقاء أجزاء صغار قد زال ضوؤها ، فبقيت مظلمة ، لوجب أن تكون جسميتها غير ضوئها .
ولو كانت أجساما ، لما علقت الأجسام دونها ، ولاختلفت عند هبوب الرياح وركودها ، ولحرقت الأفلاك ، لنفوذها فيها ، ولتداخلت مع الهواء ، أو دافعته دفعا عظيما يظهر ، ولما تحركت بطبعها الا إلى جهة واحدة ، ولتراكم أضواء سرج كبيرة ، حتى صارت ذا ثخن .
والحدس يحكم بهذه وأمثالها ، على عدم كون الشعاع جسما ، وهو غير اللون أيضا ، لأن اللون ان أخذ عبارة عن نفس الظهور المبصر مطلقا ، بل بنور الشمس الظاهر المبصر ، وبالضوء إذا غلب على مثل الشبح ، فغاب لونه ، مع أن ظهوره متحقق بضوئه .
وان أخذ اللون على أنه ظهور البصر ، على وجه مخصوص ، فاما أن تكون نسبة الظهور إلى السواد والبياض ، كنسبة اللونية اليهما في أن الظهور لا يزيد في الأعيان على نفس السواد ، كما لا تزيد اللونية عليه عينا .
فالظهور محمول عقلي ، فظهور البياض في الخارج هو البياض ، فالأتم بياضا ينبغي أن يكون أتم ظهورا ، وكذا الأتم سوادا ، وليس كذا ، فانا
الجديد في الحكمة — صفحة 292
مساهمون: ابن كمونة
ص٢٩٢