ومن حيث إن وجوده لما هو فيه ليس وجوده لذاته ، بل لغيره ، والموجود بذاته لا لذاته ، وان كانت القسمة العقلية محتملة له ، فهو غير ممكن ، لاحتياجه إلى ما يحل فيه .
وقد ينقسم الموجود أيضا إلى : ما هو بالذات ، وإلى ما هو بالعرض . أما الموجود بالذات ، فكل ما له حصول في الأعيان مستقل : جوهرا كان ، أو عرضا .
فان وجود العرض ليس هو بعينه وجود محله ، إذ قد يوجد المحل بدون عرض بعينه ، ثم يوجد ذلك العرض فيه كجسم لم يكن أسود ، ثم صار أسود .
واما الموجود بالعرض فكالسدميات : كالسكون ، والعجز ، والاعتبارات التي لا تتحقق في الأعيان ، ويقال إنها موجودة في الأعيان بالعرض .
ويقال للشيء : انه موجود في الكتابة ، وموجود في اللفظ ، وهما مجازان ، من حيث إن الكتابة في الأغلب تدل على اللفظ ، واللفظ يدل على الوجود الذهني الدال على الوجود العيني .
ومما يدل على الوجود الذهني ، بعد ما سبق من حال الشيئية والوجود ، أنا نتصور أشياء : اما ممتنعة الوجود ، كاجتماع الضدين ، أو غير موجودة في الأعيان . كالقمر المنخسف دائما ، والانسان الكاتب دائما ، وكجيل من ياقوت ، وبحر من زنبق ، ونميز بين هذه المتصورات ، وكل مميز ثابت ، وإذ ليس في الخارج فهو في الذهن .
فان ادعى فما لم يتحقق وجوده من الممكنات في العقل أن له وجودا غائبا عنا ، فالممتنعات لا سبيل إلى دعوى ذلك فيها « 1 » . واجتماع الضدين في الذهن ليس ممتنعا ، انما الممتنع اجتماعهما في الخارج .
فليس بين الحرارة الذهنية والبرودة الذهنية تضاد ، بل التضاد بين الحرارة والبرودة الخارجيتين ، وكذا أمثالهما ، وحصول السخونة والبرودة مثلا ، لا يلزم منه أن يكون الذهن متسخنا متبردا ، فإنه غير قابل لذلك ولأمثاله ، بل المتسخن ما اتصف بالسخونة في الخارج . وسنبين لك في الكلام في الادراك
هامش
( 1 ) أ « منها » .