والذي يجزم به ابن كمونة هو أن جميع ادراكاتنا وتحريكاتنا الأرادية هي لنفس واحدة مدركة لجميع أصناف الادراكات . « 1 » فهو اذن من القائلين بوحدة النفس مع تعدد قواها .
أولا : الانسان والاطلاع على الغيب :
يرى ابن كمونة انه من الممكن للنفس الانسانية ان تطلع على بعض الغيب حالة النوم . وقد يحدث هذا للمسرور والمجنون حال اليقظة بسبب الصرع مما يفسد القوى الحسية لديهم .
فقد ثبت أن لقلة الشواغل الحسية مدخلا كبيرا في تلقى بعض الغيب .
وفي حالة النوم يكون سببه هو ركود الحواس ، لانحباس الروح الحاملة لقوة الحس عنها . وبوجود فرصة الفراغ . وارتفاع المانع عنها ، تستعد للاتصال بالجواهر الروحانية ، فينطبع فيها ما في تلك الجواهر من صور الأشياء .
وهذه الجواهر ليست محتجبة عن نفوسنا بحجاب من جهتها . لكن الحجاب في قوانا البشرية لضعفها . وهذا لا يبعد عما ذهب اليه ابن سينا من أن النفس مستفادة من خارج . « 2 »
ولا يستبعد ابن كمونة أن تتلقى النفس بعض الغيب وقت اليقظة ، وهذا على وجهين :
الأول - أن تكون النفس قوية ، بحيث لا يشغلها البدن عن الاتصال بالمبادىء وأن تكون المتخيلة أيضا قوية ، بحيث تقوى على استخلاص الحس المشترك عن الحواس الظاهرة . فقد يقع لهذه النفس في اليقظة مثل ما يقع لها في المنام ومن ذلك الوحي الصريح الذي لا يفتقر إلى تأويل .
الثاني - الا تكون النفس قوية على الوجه السابق ، فتحتاج إلى الاستعانة بما يدهش الحس وبجبر الخيال . وقد يحدث هذا كثيرا في ضعفاء العقول .
ومن كان ذا حيرة ودهشة ، وبهذا المبدأ الارسطى في نظرية الأحلام . فسرت النبوة لدى الفارابي وابن سينا . « 3 »
هامش
( 1 ) الجديد في الحكمة - لوحة 326 - 328 .
( 2 ) ابن سينا : مبحث عن القوى النفسانية ص 155 ط 1 329 - 331 .
( 3 ) د . مدكور : في الفلسفة الاسلامية ، منهج وتطبيقه 1 : 94 ، 101 .