الثالث : إن لوح الحس المشترك وقت اليقظة مشغول بالصور الواردة عليه من الخارج ، فلا يتسع للصور الواردة عليه من الداخل . بخلاف وقت النوم ، فإنه خال عن الصور الخارجية ، فلا جرم يقبل وقت النوم تلك الصور الداخلة .
البحث الثاني : هذه المشاهدة قد تحصل أيضا وقت اليقظة . وذلك على وجوه :
أحدها : إن قوما من المرضى والممرورين قد يشاهدون الصور المحسوسة حاضرة ، مع أنها غير موجودة في الخارج . إذ لو كانت موجودة في الخارج لشاهدها كل من كان سليم الحس ، فاذن يدركها بسبب باطن . وسببه :
أن اشتغال النفس بتدبير البدن ودفع العلة ، منعها عن تقويم القوة المتخيلة ، فلما تخلصت المتخيلة عن قهر النفس ، قويت على تركيب الصور وعاقت الحس المشترك عن قبول الصور الواردة عليه من الخارج ؛ فارتسمت الصور التي ركبتها المتخيلة فيه ، فصارت محسوسة .
والثاني : إن الأنبياء والأولياء قد يتفق لهم ذلك أيضا . والسبب فيه :
أن نفوسهم قوية مستعلية لا يشغلها تدبير البدن عن الاتصال بعالم الغيب ، فلا يبعد أن يقع لها ذلك الاتصال وقت اليقظة ، وتحصل الحالة المذكورة ، فترى الصورة وتسمع الكلام المنظوم .
الثالث : إنه قد يستعين بعض الناس بأفعال يعرض منها للحس حيرة وللخيال وقفة ، فتستعد النفس لتلقى الغيب . ولما وجه الوهم إلى غرض معين يخصص بذلك قبوله ، مثل ما يؤثر عن قوم من « الترك » أنهم إذا فزعوا
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 195
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٩٥