تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢

النمط العاشر في أسرار الآيات

وفيه خمس مسائل :

المسألة الأولى : لا يمتنع أن يمسك العارف عن الغذا مدة طويلة .

ويدل عليه وجهان إجماليان ، ووجه تفصيلي : فالأول : إن البدن قد يبقى وقت المرض أياما كثيرة بدون الغذاء . الثاني : إن مشغول القلب بخوف شديد أو هم عظيم قد تمر به الأيام ولا يتذكر الغذاء . وأما التفصيلي : فهو أن النفس إذا اشتد انجذابها إلى العالم العقلي صار ذلك عائقا لها عن تدبير البدن ، فوقفت الأفعال الطبيعية المنسوبة إلى النفس النباتية وكان الوقع من التحلل ههنا دون الواقع في المرض . وكيف لا والمرض الحار مسقط للقوة وتتحلل بحرارته أجزاء المادة وكثرة حركاته مضعفة للقوة محلة للمادة . أما ههنا فهذه الحالة مقوية للقوة غير محللة للحرارة ، وسكونه البدني يقوى القوة ولا يحلل المادة . فالعارف أولى بعدم الحاجة إلى الغذاء .

المسألة الثانية : قد يطيق العارف فعلا أو تحريكا يخرج عن وسع مثله .

والسبب فيه : أن الإنسان يكون له حال اعتداله قدر من القوة ثم يعرض لنفسه خوف أو حزن ، فيجعز عنه . وقد يعرض له هيئة مقوية فيقدر على أضعاف ما كان قادرا عليه حالة اعتداله كما يعرض له في الغضب أو المنافة أو الانتشار المعتدل أو الفرح المطلوب ، فلا عجب لو عنت المعارف هذه كما
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 192 | فخر الدين الرازي