فصارت مرئية ، أما أنها وقت الخلاص عن تدبير الحواس الظاهرة ثم اتصلت بذلك العالم فلأنه شديد الشبه بالأرواح السماوية . والجنسية علة الضم ، وأما أنها لما أدركت أمورا مما في ذلك العالم ثم ركبت القوة المتخيلة صورا مناسبة لها . فلأن هذه القوة جهلت محاكية لكل ما يليها من هيئة إدراكية أو هيئة مزاجية سريعة التنقل من الشئ إلى شبهه أو ضده . ولو لم يكن كذلك لما انتفعنا بها في الانتقالات الفكرية ، وأما أن تلك الصور لما وردت على الحس المشترك صارت مرئية ، فلأنه لا معني للإحساس إلا تلك الصور المنطبعة فيه ، فسواء وردت من الداخل أو الخارج ، وجب أن لا يتفاوت الحال .
وإنما لم يحصل هذا المعني وقت اليقظة لثلاثة أوجه :
أحدهما : أن اشتغال النفس بتدبير الحواس الظاهرة ، يعوقها عن الاتصال بعالم الغيب ، فإن القوى النفسانية متنازعة فإذا هاج الغضب وقفت الشهوة وبالضد ، وإذا تجرد الباطن لعلة ، شغل عن الحس الظاهر ، فكاد لا يسمع ولا يرى . وبالضد وحال النوم لم تشتغل النفس الحاضرة ، فلا جرم قدرت على الاتصال بعالم القدس .
الثاني : إن النفس الناطقة وقت اليقظة تستخدم القوة المتخيلة فيصير ذلك مانعا للمتخيلة من تركيب تلك الصور بخلاف وقت النوم ، فإنها لا تستخدم المتخيلة إما لأن انجذابها إلى عالم الغيب يمنعها من استخدام المتخيلة ، أو لأن اشتغالها بتدبير هضم الغذاء يمنعها ذلك من الاستخدام .
لما ذكرنا أن هذه القوى النفسانية متنازعة .
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 194
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٩٤