ونغمة رخيمة وسمت وشيد . والثالث . تلطيف السر للتنبه . ويعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف الذي تأمر فيه شمائل المعشوق ، لا سلطان الشهوة .
إشارة : فإذا بلغت الرياضة حدا ما عنّت له خلسات من اطلاع نور الحق عليه لذيذة كأنها بروق تومض إليه ، ثم تخمد عنه وهي المسمالة عندهم أوقاتا وكل وقت يكتنفه وجدان وجد إليه ووجد عليه ، ثم إنه لتكثر عليه هذه الغواشي إذا أمعن في الارتياض ، ثم إنه ليتوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض ، فكلما لمح شيئا عاج منه إلى جناب القدس فيكاد يرى الحق في كل شئ « 1 » . ولعله إلى هذا الحد تستعلى عليه غواشيه ويزول هو عن
هامش
( 1 ) قال ابن الجوزي المتوفى سنة 597 ه في كتابه تلبيس إبليس ما نصه : « كان خيار السلف يؤثرون الوحدة والعزلة عن الناس ، اشتغالا بالعلم والتعبد . الا أن عزلة القوم لم تقطعهم عن جمعة ولا جماعة ولا عيادة مريض ولا شهود جنازة ولا قيام بحق . وانما هي عزلة عن الشر وأهله ومخالطة البطالين .
وقد لبس إبليس على جماعة من المتصوفة . فمنهم من اعتزل في جبل كالرهبان ، يبيت وحده ويصبح وحده ، ففاتته الجمعة وصلاة الجماعة ومخالطة أهل العلم . وعمومهم اعتزل في الأربطة ففاتهم السعي إلى المسجد وتوطنوا على فراش الراحة وتركوا الكسب . فقد قال « أبو حامد الغزالي » في كتاب « الاحياء » : « مقصود الرياضة تفريغ القلب ، وليس ذلك الا بخلوة في مكان مظلم » وقال : « فإن لم يكن مكان مظلم فيلف رأسه في جبته أو يتدثر بكساء أو ازار . ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال حضرة الربوبية » .
قلت : أنظر إلى هذه الترتيبات . والعجب كيف تصدر من فقيه عالم .
ومن أين له أن الذي يسمعه هو نداء الحق ؟ وأن الذي يشاهده هو جلال الربوبية ؟ وما يؤمنه أن يكون ما يجده هو من الوساوس والخيالات الفاسدة ؟
وهذا هو الظاهر ممن يستعمل التقلل في المطعم ، فإنه يغلب عليه الماليخوليا . - وقد يسلم الانسان في مثل هذه الحالة من الوساوس ، الا أنه إذا تغشى بثوبه وغمض عينيه ، تخايل هذه الأشياء ، لأن في الدماغ ثلاث قوى :
قوة يكون بها التخيل ، وقوة تكون بها الفكرة ، وقوة يكون بها الذكر . وموضع التخيل البطنان المقدمان من بطون الدماغ . وموضع التفكر البطن الأوسط من بطون الدماغ . وموضع الحفظ الموضع المؤخر ، فان أطرق الانسان وغمض عينيه ، جال الفكر والتخيل ، فيرى خيالات ، فيظنها ما ذكر من حضرة جلال الربوبية . إلى غير ذلك . نعوذ باللّه من هذه الوساوس والخيالات الفاسدة » ا . ه [ ص 273 - 274 تلبيس إبليس ] .