سكينته ويتنبه جليسه لاستيفازه عن قراره ، فإذا طالت الرياضة لم تستفذه غاشية وهدى التلبيس فيه ، ثم إنه لتبلغ به الرياضة مبلغا ينقلب له وقته سكينة فيصير المخطوف مألوفا والوميض شهابا ببنا ويحصل له مفارقة مستقرة كأنها صحبة مستمرة ويستمتع فيها ببهجته . فإذا انقلب عنها حيران أسفا . ولعله إلى هذا الحد يظهر عليه ما به ، فإذا تغلغل في هذه المفارقة قل ظهوره ، فكان وهو غائب . حاضرا وهو ظاعن : مقيما .
ولعله إلى هذا الحد إنما تتسني له هذه المفارقة أحيانا ثم يتدرج إلى أن تكون له متى شاء ، ثم إنه ليتقدم هذه الرتبة فلا يتوقف أمره على مشيئته ، بل كلما لاحظ شيئا لاحظ عبرة ، وإن لم تكن ملاحظة للاعتبار ، فيسنح له تفريج من عالم الزور إلى عالم الحق مستقرة ، ويحتف حوله الغافلون .
ثم إذا وصل إلى النيل صار سره مرآة مجلوة فحاذى بها شطر الحق ، ودرت عليه اللذات العلى وفرح بنفسه لما بها من أثر الحق فكان له نظر إلى الحق ونظر إلى نفسه ، وكان بعد مترددا . ثم إنه ليغيب عن نفسه فيلحظ جناب القدس فقط ، وإن لحظ نفسه فمن حيث هي لاحظة . وهناك يحق الوصول .
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 190
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٩٠