لا لرغبة أو لرهبة ، وإن كانتا فيكون المرغوب فيه والمرهوب عنه هو المطلوب ، ويكون الحق ليس الغاية بل الواسطة .
إشارة : المستحل توسط الحق مرحوم من وجه ، فإنه لم يطعم لذة البهجة فيستطعمها إنما معارفه مع اللذات المخدجة فهو جنون إليها غافل عن ماوراءها وما مثله بالقياس إلى العارفين إلا مثل الصبيان بالقياس إلى المحنكين ، فإنهم لما غفلوا عن طيبات يحرص عليها البالغون واقتصرت بهم المباشرة على طيبات اللعب ، صاروا يتعجبون من أهل الجد ازورارا عنها عائفين لها عاكفين على غيرها . كذلك من غض بصره عن مطالعة بهجة الحق ، أعلق كفيه بما يليه من اللذات ، لذات الزور ، فتركها في دنياه عن كره وما تركها إلا ليستأجل أضعافها . والمستبصر بهداية القدس في شجون الإيثار قد عرف اللذة الحقة وولى وجهه سمتها مترحما على هذا المأخوذ عن رشده إلى ضده ، وإن كان ما يتوخاه بكده مبذولا له بحسب وعده .
إشارة : أول درجات حركات العارفين هو الإرادة . وهي الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى ، فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال ، ثم إنه يحتاج إلى الرياضة . والرياضة موجهة إلى ثلاثة أغراض :
الأول : تنحية ما دون الحق عن مستن الإيثار ، ويعين عليه الزهد الحقيقي . والثاني تطويع النفس الامارة للنفس المطمئنة ، لتنجذب قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي ، فتصرفه عن التوهمات المناسبة للأمر السفلى ، ويعين عليه أشياء العبادة المشفوعة بالفكرة ، ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس ، الموقعة لما يمر بها من الكلام موقع القبول من الأوهام ، ثم نفس الكلام الواعظ من قائل زكى بعبارة بليغة
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 188
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٨٨