في الإلهيات اعتقادات باطلة وأصروا عليها . قالوا : وهذا العذاب دائم لأنه صار مشتاقا إلى معرفة تلك الحقائق ، وقد فاتته آلة الطلب ، فوجب أن يبقى في العذاب الدائم .
وأنا أقول : لما ثبت أن النفس تدرك الجزئيات ، فلا يمتنع أن يحصل لها بعد المفارقة انتقال من نقص إلى كمالات . وأما مراتب الأرواح بحسب القوة العملية فثلاثة : أصحاب الأخلاق الطاهرة وهم السعداء ، وأصحاب الأخلاق الردية قالوا : وعذابهم منقطع والخالي عن نوعي الأخلاق وهم أيضا أهل السلامة .
إشارة : من أدرك من نفسه كمالا التذ . وأتم الكمالات والإدراكات ما للأول . فإدراكه التام لما له من كماله التام يوجب الابتهاج التام والعشق التام . فأجل مبتهج بشئ هو الأول بذاته . وهو عاشق لذاته معشوق لذاته ، عشق غيره أو لم يعشق ، ثم يتلوه المبتهجون به وبذواتهم من حيث هم مبتهجون به ، وهم الجواهر العقلية القدسية ، وليس ينسب إليه ولا إلى خاص أوليائه القدسيين شوق ، لأن الشوق هو الحالة الحاصلة عند عدم الكمال . وذلك في حق المفارقات محال .
والمرتبة الثالثة مرتبة العشاق المشتاقين ، فهم من حيث هم عشاق مشتاقون ، فقد نالوا نيلا ما . فهم يلتذون . ومن حيث هم مشتاقون فقد يكون لأصناف منهم أذى ولما كان الأذى من قبله كان لذيذا .
وأجل أحوال النفوس البشرية أن تكون عاشقة مشتاقة لا تخلص عن علاقة الشوق . ويتلو من هذه النفوس نفوس بشرية مترددة بين مرتبتي الربوبية والسافلة على درجاتها ، ثم يتلوها النفوس المغموسة في عالم الطبيعة المنحوسة التي لا مفاصل لرقابها المنكوسة . واللّه أعلم بالصواب .
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 186
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٨٦