قد عرفت أن العلم بالعلة يفيد العلم بالمعلول ، فيلزم من علمه بذاته علمه بجميع الجزئيات والتفاصيل . ولكن الشئ الذي يعلم سببه يعلم كليا .
فالجزئيات بأسرها معلومة للأول بوجه كلى ، مثل أن يعلم أنه متي انتهى القمر بسيره إلى موضع كذا ، صارت الأرض بينه وبين الشمس حائلة ، فيجب أن يصير منخسفا . فهذا العلم حاصل سواء كان الكسوف حاصلا أو لا يكون .
إشارة : العلم بأن الخسوف حاصل الآن . إن بقي بعد زوال ذلك الخسوف كان جهلا ، وهو على اللّه تعالى محال . ولأنه لما كان علما والآن صار جهلا ، فقد تغير ، وإن لم يبق فقد تغير . وقد دللنا على أن التغير في صفات اللّه تعالى محل . وليس لأحد أن يقول : العلم يأن العلم حاصل الآن نفس العلم بأنه كان حاصلا عند انقضائه ، لأن ذلك باطل . ويدل على بطلانه وجوه :
أحدها : أنه لو كان أحد العلمين نفس الآخر لقام مقامه ، لكن العلم بأنه غير حاصل الآن لا يمكن أن يحصل عند وجوده والعلم بأنه حاصل الآن لا يمكن أن يحصل عند عدمه ، فلما امتنع قيام كل واحد منهما مقام الآخر ، علمنا اختلافهما .
الثاني : إن العلم صورة مطابقة ومطابق العدم يستحيل أن يكون هو بعينه مطابق الوجود .
الثالث : إن من علم أن زيدا سيدخل الدار غدا ، واستمر على هذا إلى أن جاء الغد ودخل زيد الدار ، ولكن لم ذلك الإنسان ذلك ، إما لأنه أعمى أو لأنه جلس في بيت مظلم لا يميز فيه بين الليل والنهار ، فإنه لا يكفيه ذلك العلم في علمه بأن زيدا دخل الدار ، فأما إذا حصل له مع
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 178
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٨