له ، لاستدعت بذلك حدوث صورة المعقول فيها وهي حالة في تلك الآلة ، والحال في الحال في الشئ حال في الشئ ، فالصورة المساوية في تمام الماهية لتلك الآلة تكون حالة فيها ، فيلزم الجمع بين المثلين . وهو محال .
ولقائل أن يقول : قولكم القوة العقلية لو عقلت الآلة بعد أن لم تكن عاقلة له لزم حدوث صورة تلك الآلة في تلك القوة : ممنوع لأن هذا إنما يتم إذا ثبت أنه لا معني للتعقل إلا نفس تلك الصورة : أما إذا قلنا : بأن التعقل عبارة عن حالة إضافية تحصل للشاعر بالنسبة إلى المشعور به ، لم يلزم من حدوث التعقل حدوث الصورة . وأنتم دللتم على أنه لا بد في التعقل من حضور صورة المعقول ، لكنكم ما دللتم على أن التعقل هو نفس تلك الصورة ، وأنه لا حاجة فيه إلى تلك الإضافة . سلمنا : أنه لا معني للتعقل إلا تلك الصورة ، لكن تلك الصورة لا تكون مساوية للمعقول من جميع الوجوه ، وإلا لكانت الصورة العقلية من السماء نفس السماء . وذلك لا يقوله عاقل .
وإذا لم يكن التساوي من جميع الصور حاصلا ، لم يلزم من اجتماع الصورتين محال .
إشارة : إذا ثبت استغناء النفس عن البدن في ذاتها ، وجب أن لا تموت عند موت البدن . ويدل عليه وجهان .
الأول : إن سبب العدم إما أن يكون عدم السبب أو عدم الشروط أو وجود الضد . والأول غير حاصل ههنا ، لأن سبب وجود النفس الناطقة هو الجوهر العقلي الباقي أبدا . والثاني غير حاصل ؛ لأن النفس غنية في ذاتها وصفاتها عن البدن . والثالث غير حاصل ؛ لأن وجود الضد إنما يعدم إذا طرأ من محله ، والنفس جوهر قائم بالذات لا محل له .
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 175
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٥