وجوابه : إن مراتب النفوس بحسب العقل والخلق ثلاثة : أحدها :
صاحب العلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة . والثاني : الخالي عن العلوم والأخلاق الفاضلة . والثالث : الموصوف بالعقائد الباطلة والأخلاق المؤذية .
فالقسم الأول صاحب الدرجات . والقسم الثاني صاحب السلامة . والقسم الثالث هو الهالك . ولا شك أن مجموع القسمين الأولين أعم وأكثر من القسم الثالث وحده .
فإن قلت : إذا كانت السعادة لا تنال إلا بالعلم والخلق ، وترى أن صاحب العلم الحق والخلق الفاضل أقل ، كان صاحب السعادة أقل . قلت :
لا نسلم أن السعادة لا تنال إلا بالعلم ، بل يكفى في حصولها اعتقاد جازم في عظمة اللّه تعالى وجلاله ، بل لا نشك أن العلوم البرهانية كلما كانت أكثر كانت السعادة أكثر وأكمل وأبهى . وأما العذاب الحاصل بسبب إلف النفس لهذه المحسوسات فهو منقطع ، لأنه متى طلب هذه المفارقة زال ذلك الإلف على ما قيل طول العهد منس .
السؤال الثاني : مدبر العالم إن قدر على تجريد ذلك الخير الكثير عن ذلك الشر القليل ولم يفعل ، فقد رضى بذلك الشر ، وإن لم يقدر فقد عجز .
جوابه : العجز إنما يلزم لو أمكن ، ثم إنه لم يقدر عليه . أما إذا كان ممتنا في ذاته لم يلزم العجز .
السؤال الثالث : إن كان يقدر فلم يحصل العقاب ؟
جوابه : حصول ذلك العقاب على تلك الخطيئة من لوازمها ، كما أن مرض البدن من لوازم النهمة .
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 180
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٨٠