تسبق الصورة أولا إلى الصورة العاقلة ، ثم يصير لها وجود من خارج مثل ما تعقل شكلا ثم تجعله موجودا وهو التعقل الفعل ، وكل واحد من الوجهين يجوز أن يحصل للشئ من ذاته تارة ومن غيره أخرى ، وتعقل واجب الوجود يجب أن يكون فعليا ذاتيا .
إشارة : واجب الوجود يعقل ذاته ، لأنه مجرد عن المادة فتكون له ذاته وكل مجرد له مجرد فإنه يعقله . فإذن هو يعقل ذاته . وذاته لذاته علة لما بعد . فيعقل من ذاته أنه علة لغيره فيعقل غيره ، وبهذا الطريق يعقل سائر الأشياء في سلسلة الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا .
فان قيل : إذا كان واجب الوجود يعقل الأشياء ، وزعمت أن العاقل لا يتحد بالمعقول فهناك صور كثيرة حالة في ذاته ، وتلك الصور ممكنة فتكون معلولة لذاته فذاته البسيطة قابلة وفاعلة معا وهو . وهو محال .
واعلم : أنه لا جواب عنه إلا بالتزام أن البسيط يكون قابلا وفاعلا معا . وذلك لا يأتي إلا بالتزام أن الواحد يصح أن يصدر عنه أكثر من الواحد .
إشارة : إدراك الأول للأشياء من ذاته في ذاته هو أفضل أنحاء كون الشئ مدركا ومدركا . ويتلوه إدراك الجواهر العقلية . أما إدراكها لعللها :
فباشراق عللها ، لأن العلم بالمعلول لا يفيد العلم بالعلة ، وأما إدراكها لمعلولاتها : فمن ذواتها ؛ لأن العلم بالعلة يفيد العلم بالمعلول . والمرتبة الثالثة :
الإدراكات النفسانية التي هي نقش ورسم عن طابع عقلي متبدد المبادى المناسب .
إشارة : جميع الجزئيات منتهية في سلسلة الحاجة إلى واجب الوجود .
( م 12 - لباب الإشارات )
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 177
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٧