ذلك العلم علم ، أخد بأنه جاء الغد ، يتولد منهما علم ثالث بأن زيدا دخل الدار . فثبت : أن العلم بأنه سيدخل الدار ، مغاير لعلمة بأنه الآن قد دخل الدار .
إشارة : قد ذكرنا : أن علم اللّه تعالى علة لوجود المعلول ، فعلم اللّه بالترتيب الذي هو أفضل ترتيب ، يمكن وقوع الشئ عليه ، علة لحدوث ذلك الشئ على ذلك الوجه الأفضل . فذلك العلم هو العناية .
إشارة : الشئ إما أن يكون خيرا محضا ، أو الخيرية غالبة فيه ، أو الخيرية والشرية متساويتان ، أو الشرية غالبة ، أو يكون شرا محضا .
أما القسم الأول فقد وجد . وأما الثاني فالحكمة والجود يقتضيان وجوده ، لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل ، شر كثير . وذلك مثل خلق النار ، فإن النار لا تكمل معونتها في تكميل الوجود إلا أن تكون بحيث تؤذى ما يلقاها من أجسام حيوانية ، وكذا الأجسام الحيوانية لا يمكن وجودها مع ما فيها من المنافع الكثيرة ، إلا أن تكون بحيث أن تتأدى أحولها إلى أن يحصل لها اعتقاد باطل أو عمل فاسد . ولما كان ذلك الشر القليل من لوازم الخير الكثير ، كان الخير مقصودا بالذات ، وذلك الشر مقصودا بالعرض . فأما الأقسام الباقية الثلاثة فغير موجودة أصلا والاستقراء يدل عليه .
وهنا سؤلات :
الأول : إذ عنيتم أن الشر الغالب غير موجود ، وليس كذلك . فإن أكثر الناس الغالب عليهم الجهل أو طاعة الشهوة والغضب .
لباب الاشارات والتنبيهات — صفحة 179
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٩