ومبهمة من وجه آخر ، فالبقدر الّذى حصل من الإدراك « 1 » تحصل اللّذّة والاستعظام ، وبالقدر الّذى لم يصل إليه ولم يحط به بقي مشتاقا إليه . فتحصل هناك لذّات نفسانيّة بسبب الوصول « 2 » ، وآلام نفسانيّة بسبب الشّوق إلى ما لم يصل « 3 » إليه « 4 » . ثمّ لتعاقب تلك اللّذّات « 5 » والآلام يكون الشّعور بها أتمّ .
ولاختلاطها « 6 » يحسّ بها كالحالة الواحدة « 7 » الممتزجة من اللّذّة والألم ، فتحصل هناك حالة طيبة شبيهة بالدّغدغة ، مدهشة مطربة ، مع « 8 » نوع من الاستعظام والحيرة . والكلام الواقع على هذا الوجه يكون « 9 » في أعلى طبقات الفصاحة .
ومثاله قوله تعالى :
« وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي »
« 10 » . فإنّا لو قلنا إنّ ما فيه من الفصاحة لما فيه من التّرصيع في قوله : ابلعي وأقلعى ، والمطابقة في قوله : يا سماء ويا أرض ؛ لكان ذلك شيئا « 11 » قليلا . والحدس « 12 » السليم والذّوق المستقيم شاهدان بأنّ الرّوعة الّتى يجدها منها « 13 » أكثر « 14 » كثيرا ممّا يقتضيه هذا القدر . ثمّ إذا فتّشنا وجدنا السبب فيه ما ذكرناه . فإنّ لفظة « قيل » فعل « 15 » لم يسمّ فاعله ، مع أنّ المراد به هو سبحانه . وذلك مشعر بأنّه سبحانه في العظمة والكبرياء بحيث متى قيل : « قيل » ؛ لم ينصرف العقل والوهم والفكر والخيال إلّا إليه ، لكون ما عداه بالنّسبة إليه كالمعدوم « 16 » . فهذه الكلمة مشعرة بالعظمة من هذا الوجه ، وإن لم يكن فيها بيان تفصيلىّ لها ، حتّى لو قلت : قال اللّه
يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
، لذهب أكثر تلك الرّوعة والفخامة . وكذلك قوله تعالى :
يا أَرْضُ
و
يا سَماءُ
مشعر بنفوذ « 17 » أمره سبحانه وتعالى على هذه الأجسام العظيمة الجليلة ، ومن نفذ أمره فيها « 18 » كان بالعظمة أجدر . فهذا مشعر بنوع آخر من العظمة على الإجمال ، لا على « 19 » التّفصيل ، حتّى لو صرّحنا بذلك التّفصيل « 20 » وقلنا : إنّه تعالى قطع مادّة المطر من السماء وجعل الأرض ناشفة « 21 » للماء ، لم يبق شئ من تلك الرّوعة .
[
هامش
( 1 ) - حصل من الإدراك : يحصل الإدراك س .
( 2 ) - الوصول : الوصل ط .
( 3 ) - لم يصل : لا يصل م . : يصل مص .
( 4 ) - إليه : - ط ، م .
( 5 ) - آلام نفسانيّة . . . اللذّات : ثابتة على الهامش م .
( 6 ) - لاختلاطها : اختلاطها ط .
( 7 ) - كالحالة الواحدة : كالواحدة س .
( 8 ) - مع : + وقوع ط .
( 9 ) - يكون : - ط ، م .
( 10 ) - وقيل يا ارض . . . اقلعى : سورة 11 ( هود ) ؛ آية 44 . ]
( 11 ) - شيئا : سببا مص . : - ط .
( 12 ) - الحدس : الحسّ مص .
( 13 ) - منها : فيها س .
( 14 ) - أكثر : أكبر مج .
( 15 ) - فعل : + ما ط ، مص . : + ههنا م . : على فوق السطر س .
( 16 ) - كالمعدوم : كالعدم س .
( 17 ) - بنفوذ : بنفاذ مص .
( 18 ) - فيها : فيهما س .
( 19 ) - على : + السبيل م .
( 20 ) - التّفصيل : التّفسير مج .
( 21 ) - ناشفة : باسقة مص .