تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الاشارات والتنبيهات — صفحة 612

مساهمون:

ص٦١٢
والمقصود أنّ العقلاء اختلفوا في إمكان الرّياضة . فمنهم من أحالها لأنّ قوّة الحسّ طالبة لذاتها للمحسوسات ، وقوّة الشّهوة طالبة للمشتهيات ، وقوّة الغضب طالبة للانتقام . وإذا كان الأمر كذلك استحال انقطاعها عن هذه الجوانب وتعلّقها بالمجرّدات . وأمّا المحقّقون فإنّهم سلّموا ذلك وزعموا أنّه لا يقدح في غرضهم ؛ لأنّه ليس المقصود من الرّياضة أن « 1 » تصير قوّة الحسّ والشّهوة والغضب طالبة للأمور المجرّدة ، بل أن لا تكون مستولية على القوّة العاقلة ولا مستعلية عليها . فإنّه متى لم تكن النّفس النّاطقة مقهورة لهذه القوى « 2 » توجّهت بطبعها إلى عالم المجرّدات القدسيّة . وأمّا الخيال والوهم فهما بالطّبع ليسا متوجّهين إلى المحسوسات ، بل إن كان الاستيلاء « 3 » للحسّ والشّهوة والغضب تبعاها ، وإلّا لصارا « 4 » متابعين للعقل متصرّفين في الأمور المناسبة له . مثاله أنّ « 5 » الإنسان إذا كان الغالب عليه الشّهوة ، كان عمل الوهم والخيال في الأمور المناسبة لها . وإن كان الغالب عليه « 6 » الغضب ، كان عملها في الأمور المناسبة له . وإن كان الغالب عليه « 7 » الانقطاع عن الدّنيا والإقبال على اللّه تعالى ، كان عملهما « 8 » في الأمور المناسبة لذلك « 9 » حتّى لا يرى في النّوم إلّا صور الملائكة « 10 » ، وإلّا « 11 » الجنّة والنّار ، ولا يسمع من الهاتفين إلّا الكلمات المحذّرة « 12 » عن الدّنيا والمرغّبة في الآخرة . ثمّ إذا صار الوهم والخيال كذلك ، أعانا العقل على عمله ؛ وأعانهما العقل أيضا على ذلك . ولا يزال كلّ واحد منهما يعين الآخر حتّى يصلا إلى المقصد « 13 » الأقصى . فلهذا « 14 » السرّ ذكر الشّيخ أنّ الغرض من تطويع النّفس الأمّارة للنّفس المطمئنّة هو « 15 » أن تنجذب قوى التّخيّل والوهم « 16 » إلى التّوهّمات « 17 » المناسبة للأمر القدسىّ ، منصرفة عن التّوهّمات « 18 » المناسبة للأمر السفلى . وأمّا أسباب هذا التّطويع فقد ذكر الشّيخ أمورا ثلاثة : أوّلها ؛ العبادة المشفوعة « 19 » بالفكرة . أمّا العبادة فلأنّ النّفس في أوّل الرّياضة قليلة الالتفات إلى الجانب الأعلى ، فلا بدّ من سبب مذكّر « 20 » ، وما ذاك إلّا العبادات « 21 » كما تقدّم « 22 » تقريره . وأمّا كونها
هامش
( 1 ) - أن : لأن مج .
( 2 ) - القوى : القوّة ط .
( 3 ) - الاستيلاء : الاستعلاء مص .
( 4 ) - لصارا : صارا س ، م .
( 5 ) - أنّ : - س .
( 6 ) - الشّهوة كان . . . الغالب عليه : - مج .
( 7 ) - الغضب . . . الغالب عليه : - ط ، م .
( 8 ) - عملهما : + لذلك س .
( 9 ) - لذلك : - س ، مج . : له م .
( 10 ) - الملائكة : + صلوات اللّه عليهم أجمعين س .
( 11 ) - إلّا : - ط ، م ، مص .
( 12 ) - المحذّرة : المجرّدة س .
( 13 ) - المقصد : المقصود س .
( 14 ) - فلهذا : ولهذا س .
( 15 ) - هو : وهو مج .
( 16 ) - الوهم : + أوّلا ط .
( 17 ) - التّوهّمات : المتوهّمات س .
( 18 ) - التّوهّمات : المتوهّمات س .
( 19 ) - المشفوعة : + المستغرقة ط . : + المشعوقة م .
( 20 ) - مذكّر : مذكور مج .
( 21 ) - العبادات : العبادة مج .
( 22 ) - تقدّم : مرّ مج .
شرح الاشارات والتنبيهات — صفحة 612 | فخر الدين الرازي