إلى الألوان المشرقة يمدّ الرّوح ، ويفرّح القلب ، وتنبسط « 1 » النّفس ، لما « 2 » أنّ النّور محبوب الرّوح ومعشوقه . والنّظر إلى الألوان المظلمة يكدّر الرّوح ، ويغمّ « 3 » القلب . ولذلك يجب أن يكون مسكن المريد وملبسه ملوّنا بالألوان المناسبة لتقوية الرّوح « 4 » ليكون النّظر إليها متداركا لما « 5 » حصل « 6 » من الخلل بسبب شدّة الرّياضة . ثمّ إنّ تلك الألوان المشرقة لا ينبغي أن تكون نقوشا دقيقة مختلطة « 7 » ؛ لأنّ النّفس تشتغل بتأمّلها فيزيدها كلالا « 8 » ، ولذلك منع الأطبّاء من نظر المبرسمين « 9 » إلى « 10 » النّقوش . ولمثل هذه العلّة كلّما كان اللّون أقرب إلى البساطة والصّفاء « 11 » كان أولى ، وهو البياض اليقق . ولذلك « 12 » كان أحبّ الثّياب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم البيض .
واعلم أنّ الأجسام المبصرة « 13 » على قسمين : منها ما النّظر إليه يشوّق صاحبه إلى معرفة اللّه تعالى مع الأمان من ثوران « 14 » الشّهوة ؛ ومنها ما النّظر إليه يفيد معرفة اللّه تعالى لكن لا مع الأمان من « 15 » الشّهوة « 16 » . أمّا الأوّل فكالنّظر إلى السماء والأرض والجبال والبحار والمعادن . فإنّ الإنسان إذا تأمّل فيها ، واعتبر دقائق حكمة اللّه تعالى في تركيبها ، خاض في بحر من المعرفة لا ساحل له ؛ ويكون هو في هذه الحالة آمنا من ثوران « 17 » الشّهوة وغوائل النّفس الأمّارة . وأمّا الثّانى فكالنّظر إلى المراكب والمواكب والدّور والقصور والولدان والغلمان . فإنّ النّظر إليها يفيد معرفة حكمة « 18 » اللّه تعالى ، لكن « 19 » لا مع الأمان عن غوائل النّفس . بل « 20 » الأكثر ثوران « 21 » الشّهوة وانتعاش الطّبيعة عند مشاهدتها ، وحدوث الميل إليها والرّغبة في تحصيلها ، ويصير ذلك قاطعا « 22 » للمريد عن المطلوب . ولهذا السرّ قال اللّه تعالى :
« أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ . وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ . وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
« 23 »
»
. فإنّ الاعتبار حاصل بالنّظر إلى هذه الأشياء مع الأمن عن غوائل الشّهوة .
هامش
( 1 ) - تنبسط : ينشط ط ، م .
( 2 ) - لما : كما س ، ط .
( 3 ) - يغمّ : يعمى ط ، م ، مج .
( 4 ) - لتقوية الرّوح : لنقوم مج .
( 5 ) - لما : كما س ، ط .
( 6 ) - حصل : + بتأمّلها مج .
( 7 ) - مختلطة : مختلفة س .
( 8 ) - فيزيدها كلالا : فتزيد ملالا ط .
( 9 ) - المبرسمين : المترسمين م ، مص [ المبرسم : الّذى أصيب بالبرسام . والبرسام ( طبّ ) : التهاب في الحجاب الّذى بين الكبد والقلب . ]
( 10 ) - إلى : - ط .
( 11 ) - الصّفاء : - س .
( 12 ) - لذلك : كذلك م .
( 13 ) - المبصرة : - ط ، م .
( 14 ) - ثوران : توارث مص .
( 15 ) - من : + ثوران ط ، م .
( 16 ) - ومنها ما النّظر . . . الشّهوة : - مج .
( 17 ) - ثوران : توارث مص .
( 18 ) - حكمة : - ط .
( 19 ) - لكن : + حكمة ط .
( 20 ) - بل : فإنّ ط .
( 21 ) - ثوران : توارث مص .
( 22 ) - قاطعا : قطعا ط .
( 23 ) - وإلى السماء . . . سطحت : إلى آخره ط . : - س . [ أفلا ينظرون . . . سطحت : سورة 88 ( الغاشية ) ؛ آية 20 - 17 ]