في هذه الحالة مع أنّ هذا « 1 » الشّعور يوجب الحبّ . فظهر بما قرّرنا أنّ حبّ اللّه تعالى قد ينفكّ عن حبّ « 2 » كلّ ما عداه .
وأمّا الّذى احتجّ به « 3 » المنكرون من أنّ الإرادة لا تتعلّق إلّا بالممكن وإلّا بالحصّة « 4 » العائدة إلى النّفس ، فذلك هو المصادرة على المطلوب الأوّل . فإنّ عندنا العارف قد يريد اللّه تعالى لا لشئ سواه « 5 » ، فالقول بأنّه لا يريد إلّا الممكن ادّعاء لعين « 6 » المطلوب ، وأنّه باطل . فهذا تلخيص الكلام في قوله : « العارف يريد الحقّ الأوّل لا لشئ غيره « 7 » » .
وأمّا قوله : « ولا يؤثر شيئا على عرفانه » ؛ فاعلم أنّه يحتمل وجهين . فإنّا إن « 8 » قلنا : الحقّ الأوّل يستحيل « 9 » أن يكون مرادا لذاته ؛ كان هذا الكلام تأويلا لما قبله . أي معنى ما قلنا : إنّ العارف يريد الحقّ الأوّل ؛ هو أنّه يريد معرفته . وإن قلنا : بصحّة ذلك ، كانت هذه القضيّة بيانا لقوم آخرين ويصير كأنّه قال : العارفون منهم من « 10 » يريد « 11 » اللّه تعالى للّه « 12 » فقط ، وهم الّذين وصلوا إلى الكمال الأقصى .
ثمّ يليهم قوم آخرون وهم الذين يطلبون معرفة اللّه « 13 » تعالى ، ولا يؤثرون شيئا على تلك المعرفة .
وأمّا قوله : « وتعبّده « 14 » له فقط ، ولأنّه « 15 » مستحقّ للعبادة ، ولأنّها نسبة شريفة إليه « 16 » » ؛ فاعلم أنّه لمّا تكلّم في إرادة العارفين ، تكلّم في تعبّدهم . واعلم أنّهم في ذلك على ثلاث طبقات : الطّبقة « 17 » الأولى في الكمال والشّرف الّذين يعبدونه لذاته لا لشئ آخر . والطّبقة الثّانية ؛ وهي الّتى تلى الأولى في الكمال ، الّذين يعبدونه لصفة من صفاته وهي كونه تعالى مستحقّا للعبادة . والطّبقة الثّالثة ؛ وهي آخر درجات المحقّقين ، الّذين يعبدونه لتستكمل نفوسهم بالانتساب إلى عبادته .
وإنّما تأخّرت هذه الطّبقة عمّا قبلها ، لأنّ المطلوب لهؤلاء انتسابهم « 18 » إليه ، وذلك الانتساب « 19 » صفتهم . فالمطلوب الأوّل لهم « 20 » صفة من صفاتهم ، وأمّا الأوّلان فمطلوب أحدهما « 21 » ذاته تعالى ، ومطلوب الآخر صفة من صفاته . وشتّان ما بين الدّرجتين . ولقد روى في الأخبار أنّه عليه السلام
هامش
( 1 ) - هذا : - س .
( 2 ) - حبّ : - مص .
( 3 ) - به : - س .
( 4 ) - بالحصّة : بالحقيقة مج .
( 5 ) - سواه : شئ مج .
( 6 ) - لعين : لنفس ط ، م .
( 7 ) - غيره : سواه مج .
( 8 ) - إن : إذا مج .
( 9 ) - يستحيل : ليستحيل مص .
( 10 ) - منهم من : - مص .
( 11 ) - يريد : يريدون مص .
( 12 ) - للّه : - س ، م .
( 13 ) - معرفة اللّه : معرفته ط ، م ، مج .
( 14 ) - وتعبّده : فيعبده س .
( 15 ) - لأنّه : أنّه س .
( 16 ) - إليه : - ط ، م .
( 17 ) - الطّبقة : فالطّبقة مج ، مص .
( 18 ) - لهؤلاء انتسابهم : لها ولا نتسابهم م .
( 19 ) - الانتساب : لانتساب مص .
( 20 ) - لهم : - ط .
( 21 ) - أحدهما : أحدهم مص .