ومنهم من قال : لا حاجة إلى الدّاعى « 1 » ، لأنّ الهارب من السبع إذا عنّ له طريقان متساويان من كلّ الوجوه فإنّه لا بدّ وأن يسلك أحدهما دون الآخر . لأنّه من المحال أن يقف هناك حتّى يفترسه « 2 » السبع . ومن المحال أن يسلكهما معا . ومن المحال أن يسلك الرّاجح ؛ لأنّا فرضنا استواءهما « 3 » في جميع الأمور ، فلا بدّ وإن يسلك أحدهما دون الآخر من غير مرجّح . وكذلك « 4 » العطشان جدّا إذا خيّر بين القدحين « 5 » من الماء يتساويان من جميع الوجوه ، والجائع جدّا إذا خيّر بين « 6 » رغيفين يتساويان من جميع الوجوه ، وضربوا أمثلة كثيرة من هذا الجنس . قالوا : ولو احتيل في استخراج ما به يترجّح أحدهما على الآخر فليفرض « 7 » الاستواء في كلّ تلك الأمور ، فإنّ كلّ « 8 » صفة حاصلة لأحد الشّيئين أمكن حصول مثلها للآخر . ولا يجوز أن يقال : المرجّح هو تعيّنه وتشخّصه الّذى لا يمكن أن يشاركه فيه غيره لأنّ متعلّق غرضه من المأكول والمشروب الماهيّة لا الشّخصيّة . فثبت بما ذكرنا أنّ الفعل لا يتوقّف على الدّاعى . واعلم أنّ الكلام في هذه المراتب الأربعة كثير جدّا ، والمباحث فيها عميقة ، ولكنّا اكتفينا بهذا القدر لئلّا يطول الكتاب . ولنرجع إلى شرح المتن .
أمّا قوله : « وأمّا الحركات الاختياريّة فهي أشدّ نفسانيّة » ؛ فمعناه أنّ القوى النّباتيّة لمّا جعلها من القوى النّفسانيّة ، مع أنّها تشبه القوى الطّبيعيّة في عدم الإدراك والشّعور ، فهذه القوى الاختياريّة أولى أن تكون نفسانيّة لما أنّها لا تحرّك إلّا مع الإدراك والشّعور ، وأمّا قوله : « ولها مبدأ عازم مجمّع » ؛ فاعلم أنّ هذه إشارة إلى المرتبة الثّانية وهي العزم « 9 » والإجماع ، والإرادة الجازمة الخالية عن الفتور « 10 » . وأمّا قوله : « مذعنا ومنفعلا عن خيال أو وهم أو عقل » ؛ فاعلم أنّ هذا إشارة إلى المرتبة الرّابعة « 11 » . وأمّا قوله : ينبعث منها غضب أو شهوة ؛ فاعلم أنّ هذا إشارة إلى المرتبة الثّالثة « 12 » . وكأنّه قال :
العزم يتبع الخيال أو الوهم أو العقل حال ما يتبع أحد هذه الثّلاثة الشّهوة أو الغضب ، وحينئذ يكون العزم بالحقيقة تابعا للشّهوة والغضب ، وهما تابعان للخيال أو الوهم أو العقل . وأمّا قوله : « فيطيع « 13 »
هامش
( 1 ) - إلى الدّاعى : إلّا هذا الدّاعى مص .
( 2 ) - حتّى يفترسه : ليفترسه مص .
( 3 ) - من : « فرضنا استواءهما . . . » إلى آخر هذا النّمط : مفقودة من نسخة ط .
( 4 ) - كذلك : كذا مج .
( 5 ) - إذا خيّر بين القدحين : إذا حضر بين يديه قدحين مج ، وفي الهامش بدل « حضر » : خيّر . : إذا خيّر بين شرب قدحين م .
( 6 ) - بين : + أكل م .
( 7 ) - فليفرض : فنفرض مص .
( 8 ) - فإنّ كلّ : فإن كان م .
( 9 ) - العزم : العدم م .
( 10 ) - الفتور : التّهوّر مج .
( 11 ) - الرّابعة : الثّالثة م .
( 12 ) - المرتبة الثّالثة : الرّابعة م .
( 13 ) - فيطيع : فطبع م .