العقل إذا علم القدر المشترك بين « 1 » الأشخاص المختلفة ، فهذا العلم هو التّعقّل « 2 » ، وذلك المشترك هو المعقول . فاقتدار العقل على إدراك ذلك القدر المشترك مع قطع النّظر عن الصّفات الّتى بها وقع الاختلاف هو المعنىّ باقتداره على التّجريد ، وهو « 3 » العمل الّذى عمله بالمحسوس حتّى جعله معقولا .
وأمّا قوله : « وأمّا ما هو في ذاته برئ عن الشّوائب المادّيّة واللّواحق الغريبة الّتى لا تلزم ماهيّته عن ماهيّته ، فهو معقول لذاته ليس يحتاج « 4 » إلى عمل يعمل « 5 » به يعدّه « 6 » لأن يعقله ما من شأنه أن يعقله ، بل لعلّة في جانب ما من شأنه أن يعقله « 7 » » ؛ فاعلم أنّ المراد منه أنّ المانع من كون الشّىء معقولا هو المادّة وعلائقها ، فإذا كانت الماهيّة مادّيّة احتاج « 8 » العقل في تصييرها معقولة إلى أن يجرّدها عن المادّة . وأمّا إذا كانت مجرّدة لذاتها عن المادّة وعن علائقها ، لم تكن بها حاجة « 9 » إلى أن يعمل بها عملا لأجله تصير معقولة ؛ لأنّه إذا كان المانع عن المعقوليّة غير حاصل لها كانت معقولة في ذاتها . بل ربّما احتاج الشّىء الّذى يعقلها إلى عمل لأجله يستعدّ لأن « 10 » يعقله ، وهو الفكر والتّأمّل « 11 » .
فإن قيل : قولكم : المانع من كون الشّىء معقولا هو المادّة وعلائقها ؛ فيه بحث . وذلك لأنّه يجب علينا « 12 » تحقيق « 13 » المراد من المادّة حتّى ينظر أنّه هل يمكن جعلها مانعة من « 14 » المعقوليّة ، أم لا ؟
فنقول : إنّ ماهيّة الشّىء إذا كانت مؤلّفة من محلّ وحالّ « 15 » ، فالمحلّ هو المادّة ، والحالّ هو الصّورة .
مثل « 16 » السرير فإنّه لا يحصل من الخشب فقط ، بل لا بدّ وأن يكون ذلك الخشب مشكّلا بشكل مخصوص ، والشّكل حالّ في الخشب . فالخشب « 17 » مادّة في السرير « 18 » ، والشّكل صورة له « 19 » . فقد تحصّل « 20 » أنّ المادّة هي المحلّ ، والصّورة هي الحالّ ، سواء كان المحلّ محسوسا كما ذكرناه ، أو معقولا كالهيولى الأولى « 21 » الّتى بيّنها « 22 » و « 23 » الحكماء للجسم ، وسواء كان متقوّما « 24 » بالحالّ كالهيولى
هامش
( 1 ) - بين : من مج .
( 2 ) - التّعقّل : العقل مص .
( 3 ) - هو : هذا ط ، مج .
( 4 ) - يحتاج : بمحتاج مج .
( 5 ) - يعمل : يعمله م .
( 6 ) - يعدّه : بعده مص .
( 7 ) - الّتى لا تلزم . . . أن يعقله : . ط .
( 8 ) - احتاج : احتاجت إلى مص .
( 9 ) - بها حاجة : به حاجة ط ، م ، مج : محتاجة مص .
( 10 ) - لأن : أن ط ، س .
( 11 ) - التأمّل : القابل س .
( 12 ) - علينا : - مص .
( 13 ) - تحقيق : تلخيص م .
( 14 ) - من : عن ط ، م .
( 15 ) - من محلّ وحالّ : من حالّ ومحلّ س . : من حالّ ومن محلّ مج .
( 16 ) - مثل : مثلا س ، مج .
( 17 ) - فالخشب : والخشب ط ، مج .
( 18 ) - في السرير : للسرير ط . : السرير م .
( 19 ) - له : - مص .
( 20 ) - فقد تحصّل : لم يقل فحصل مص .
( 21 ) - الأولى : - س .
( 22 ) - بيّنها : ثبتها س .
( 23 ) - الّتى بيّنها : أي الّتى أثبتها مج .
( 24 ) - متقوّما : مقوّما ط .