أبطل أن يكون العاقل هو النّفس بأن قال : لو عقلت النّفس السواد لأنّ السواد حلّ « 1 » فيها ، لعقل الجماد « 2 » السواد لأنّ السواد حلّ فيه . وقرّر ذلك غاية التّقرير . فقد ظهر أنّ القول بأنّ العلم هو نفس الانطباع لا يتمشّى إلّا مع القول باتّحاد العاقل بالمعقول . ثمّ إنّه رجع عن القول بالاتّحاد في هذا الكتاب واعترف بأنّه من الخرافات ، والجمع بين القولين مشكل . بلى من قال : العلم هو « 3 » نفس الانطباع ، لا بدّ له من القول بالاتّحاد ليتمهّد له الفرق بين حلول السواد في النّفس وبين حلوله « 4 » في الجسم « 5 » . ومن نفى الاتّحاد فلا بدّ له من القطع بأنّ العلم أمر « 6 » وراء الانطباع .
واعلم أنّ الكلام في أنّ العلم بالسّواد مثلا ليس نفس حصول السواد للشّىء ، وأنّ « 7 » المعقول لا يتحدّ بالعاقل ، أظهر من أن يحتاج في إبطاله إلى « 8 » بسط وتقرير . بل كان من الواجب أن يكون فساد هذا المذهب وأمثاله معلوما بالضّرورة ، وإنّما دعت الحاجة إلى تطويل القول « 9 » فيه لجهل المقلّدة وإصرارهم على تقرير كلّ ما يجدونه ويرونه « 10 » في كتاب من يعتقدون فيه بكلّ « 11 » ما أمكن أن ينطلق اللّسان به ، وإن « 12 » كان فساده معلوما بالضّرورة « 13 » .
الحجّة الثّانية من الدّليلين « 14 » العاميّن على إبطال ما قالوه أنّه لو كانت حقيقة العلم والإدراك عبارة عن « 15 » : حصول شئ لشئ « 16 » مجرّد ، لكنّا إذا تصوّرنا موجودا ليس بجسم ولا حالّ « 17 » في الجسم « 18 » ، واعتقدنا أنّه حلّ فيه السواد ، وجب أن يقطع حينئذ بكون ذلك الموجود عالما بذلك السواد « 19 » ؛ لأنّه إذا كان لا حقيقة للعلم إلّا حصول السواد لذلك الموجود ، فمتى عرفنا ذلك ، فقد عرفنا أنّه حصل له ما هو حقيقة العلم . لكنّا نعلم بالضّرورة أنّه ليس الأمر كذلك . فإنّا بعد العلم بأنّه تعالى ليس بجسم ولا حالّ في الجسم « 20 » يصحّ منّا الشّك في أنّه تعالى هل يعلم ذاته ؟ وهل يعلم كونه فاعلا لغيره أم لا ؟ فعلمنا أنّ كون الشّىء شاعرا بالشّىء مغاير لحصول ذلك الشّىء له . « 21 »
هامش
( 1 ) - حلّ : - س .
( 2 ) - لعقل الجماد : العقل الجواد مص .
( 3 ) - العلم هو : - م .
( 4 ) - حلوله : حصوله مص .
( 5 ) - الجسم : + الّذى هو فيه ط ، م .
( 6 ) - أمر : - م ، مص .
( 7 ) - وأنّ : فإن م . : أنّ مص .
( 8 ) - إلى : + فضل ط ، م ، مص .
( 9 ) - القول : القوم مص .
( 10 ) - يجدونه ويرونه : يجدونه ط ، م . : يرونه مص .
( 11 ) - بكلّ : وبكلّ مج . : وكلّ س . : فكلّ مص .
( 12 ) - وإن : وإذا ط .
( 13 ) - بالضّرورة : على ما عرف ط .
( 14 ) - الدّليلين : الوجهين مص .
( 15 ) - عبارة عن : هي س .
( 16 ) - لشئ : - ط .
( 17 ) - لا حالّ : لا قائم س . : لا قائما مص .
( 18 ) - في الجسم : في جسم مص .
( 19 ) - بذلك السواد : بالسّواد س .
( 20 ) - في الجسم : في جسم ط .
( 21 ) - له : - مص . : + واللّه أعلم ط .