تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الاشارات والتنبيهات — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
وأمّا اللّذع والتّخدير ؛ فاعلم أنّ اللّذع منسوب إلى الحرارة ، والتّخدير إلى البرودة . وذكر في القانون : أنّ اللّاذع « 1 » هو الّذى له كيفيّة نفّاذة جدّا ، لطيفة ، تحدث في الاتّصال تفرّقا كثير العدد ، متقارب « 2 » الوضع ، صغير المقدار ، فلا يحسّ كلّ واحد بانفراده ، ويحسّ بالجملة كالوجع الواحد . وذكر في المخدّر أنّه البارد الّذى يبلغ من برده « 3 » للعضو إلى أن يصير جوهر الرّوح الحاملة إليه « 4 » قوّة الحسّ والحركة باردا في مزاجه « 5 » ، غليظا في جوهره ، فلا تستعملها القوى النّفسانيّة ، وتجعل مزاج العضو كذلك ، فلا يقبل تأثير القوى النّفسانيّة . فهذا شرح ما أورده من القوى الفعليّة . وأمّا القوىّ الانفعاليّة فمنها الرّطوبة . وذكر في الشّفاء « 6 » أنّها في المشهور عبارة عن البلّة ، أي كون الجسم بحيث يلتصق « 7 » بالغير ، وهو باطل . فإنّ الجسم كلّما كان أرطب كان أقلّ التصاقا بالغير . فإنّ الماء الصّافى جدّا إذا غمس الإصبع فيه ، كان ما « 8 » يلتصق منه بالإصبع أقلّ ممّا يلتصق من الماء الغير الصّافى أو الدّهن أو العسل « 9 » . فعلمنا أنّ الالتصاق « 10 » ليس خاصيّة الرّطوبة . ولمّا بطل هذا الاعتبار لم يبق للرّطوبة إلّا سهولة قبول الأشكال الغريبة وسهولة تركها ؛ فيكون رسمها : أنّها الكيفيّة الّتى بها تكون الأجسام سهلة القبول للأشكال الغريبة ، سهلة التّرك « 11 » لها . واليبوسة : هي الكيفيّة الّتى بها تكون الجسم عسر القبول للأشكال الغريبة ، وعسر « 12 » التّرك « 13 » لها بعد قبوله لها « 14 » . ولقائل أن يقول : الاستدلال على أنّ الرّطوبة عبارة عن الكيفيّة الّتى بها يكون الجسم سهل القبول للأشكال ، أو « 15 » عن الكيفيّة الّتى بها يكون الجسم سهل الالتصاق بغيره « 16 » استدلال في أمر لفظىّ ، لأنّ هذين الأمرين أعنى سهولة قبول الأشكال وسهولة الالتصاق بالغير حقيقتان متغايرتان « 17 » في ماهيّتهما ، ولا ينكر هذا التّغاير أحد « 18 » . فلا يبقى ههنا إلّا النّزاع في إطلاق لفظ الرّطوبة على واحد منهما ، وذلك لا يفيد فائدة علميّة « 19 » . بل النّاس اتّفقوا على أنّ الرّطب إذا اختلط باليابس [
هامش
( 1 ) - اللّاذع : اللّدغ مص .
( 2 ) - متقارب : متفاوت مص .
( 3 ) - برده : تبريده م . : بريده مص .
( 4 ) - إليه : - م .
( 5 ) - في مزاجه : ومزاجه مص .
( 6 ) - راجع : الشّفاء ؛ الطّبيعيّات ؛ الفصل التّاسع من الفنّ الثّالث : في الكون والفساد ؛ ص 153 ]
( 7 ) - يلتصق : يتضيق م .
( 8 ) - كان ما : ما كان مص .
( 9 ) - أو العسل : إلى العسل مص .
( 10 ) - الالتصاق : الاتّصاف م .
( 11 ) - التّرك : التّركيب مج .
( 12 ) - وعسر : عسر م .
( 13 ) - التّرك : التّركيب مج .
( 14 ) - قبوله لها : قبوله م .
( 15 ) - عن الكيفيّة . . . للأشكال أو : - م .
( 16 ) - بغيره : بالغير مص .
( 17 ) - حقيقتان متغايرتان : أمران متغايران مص .
( 18 ) - أحد : أصلا مص .
( 19 ) - علميّة : - م .
شرح الاشارات والتنبيهات — صفحة 161 | فخر الدين الرازي