التّفسير : المقصود من هذا الفصل بيان أنّ « 1 » الجسميّة حالّة في محلّ ، وأنّ الجسم مركّب من ذلك الحالّ وذلك المحلّ . والحجّة فيه : أنّ الجسم لمّا ثبت أنّه غير متألّف من الأجزاء « 2 » ، بل هو شئ واحد في نفسه . ولا شكّ أنّه قد يعرض له انفصال « 3 » ؛ وليس الانفصال عبارة عن تفرّق الأجزاء « 4 » بعد أن كانت مجتمعة ، لأنّ ذلك بناء على كون الجسم متألّفا من الأجزاء ، وقد مرّ إبطاله ، بل هو عبارة عن زوال الاتّصال الّذى كان حاصلا . وهذا الانفصال كان قبل حصوله ممكن الحصول ؛ فإمكان « 5 » عروض الانفصال كان حاصلا قبل « 6 » حصول الانفصال . فيكون إمكان الانفصال ؛ مغايرا لا محالة للانفصال . وذلك الإمكان يستدعى محلّا ، وليس محلّه الاتّصال ، لأنّه لا معنى لكون الشّىء موصوفا بإمكان حدوث شئ فيه إلّا كونه ممكن الاتّصاف بذلك الشّىء . لكنّ الاتّصال يستحيل أن يتّصف بالانفصال ؛ لأنّه يزول « 7 » عند طريانه . فإذن محلّ إمكان الانفصال شئ سوى الاتّصال ، وهو الّذى يكون محلّا للاتّصالين المتجدّدين عند طريان الانفصال . فثبت أنّ الاتّصال الجسمي موجود في محلّ ، وهو المسمّى بالهيولى .
وههنا شكّ وهو : أنّ الجسم قبل الانفصال كان واحدا ، وبعد الانفصال صار جسمين .
فالزّائل هو الوحدة ، والطّارى هو الإثنينيّة . وهما « 8 » عرضان ، ومحلّهما « 9 » الجسم . فهذه الحجّة تفتضى كون الوحدة والتّعدّد مغايرين « 10 » للجسم متعاقبين عليه ، فيكون المحلّ هو الجسم ، والحالّ هو الوحدة والتّعدّد . وممّا يقرّر ذلك أنّ الجسم بعد ورود الانفصال عليه لا يخرج عن كونه جسما .
فعلمنا أنّ الّذى زال عند الانفصال شئ سوى الجسميّة .
واعلم أنّ هذا الشكّ أنّما ينحلّ بتحرير البرهان على الوجه الملخّص وهو أن نقول : الجسم الّذى يرد عليه الانفصال فإنّه تزول عنه الجسميّة الّتى كانت موجودة فيه ، وتحدث فيه جسميّتان أخريان . ومتى كان كذلك ، كانت الجسميّة « 11 » موجودة في محلّ .
وبيان الصغرى أنّ الجسم بعد ورود الانفصال عليه صار جسمين ، وحصلت هناك جسميّتان .
هامش
( 1 ) - بيان أنّ : + الصّورة م .
( 2 ) - من الأجزاء : - مج .
( 3 ) - انفصال : اتّصال م .
( 4 ) - الأجزاء : + بل عبارة عن عدم الاجتماع مج .
( 5 ) - فإمكان : وإمكان مج .
( 6 ) - قبل : قبول م .
( 7 ) - يزول : زوال مص .
( 8 ) - هما : هو مج .
( 9 ) - محلّهما : يحلّهما مج .
( 10 ) - مغايرين : مساويين مج .
( 11 ) - كانت الجسميّة : فالجسميّة مص .