واعترض عليه بان الفساد انما يلزم عند اختلافهما في الإرادة ، ووقوع الاختلاف غير لازم من الدليل المذكور ، وانما اللازم امكان الاختلاف . فإذا كان الفساد مبنيا على الاختلاف والاختلاف ممكن كان الفساد أيضا ممكنا ، لان المبنى على الممكن ممكن ، والامكان لا يستلزم الوقوع .
وقرره بعضهم بوجه آخر مندفع عنه الاعتراض المذكور ، وهو : انا لو فرضنا الهين لكان كل منهما قادرا على كل المقدورات ، فيفضى إلى وقوع كل مقدور بين قادرين مستقلين من وجه واحد ، لان استناد الفعل إلى الفاعل انما كان لا مكانه ، فإذا كان كل منهما مستقلا بالايجاد فالفعل لكونه مع هذا يكون واجب الوقوع فيستحيل استناده إلى ذلك ، لكنه حاصل معهما جميعا ، فيلزم استغناؤه عنهما واحتياجه اليهما معا ، وذلك محال . فالقول بوجود الهين يفضى إلى امتناع وقوع الممكنات ، فيلزم وقوع الفساد . فثبت ان القول بوجود الهين يوجب وقوع الفساد قطعا .
وقد تقرر بوجه آخر وهو : انه لو قدرنا الهين ، فاما ان يتفقا أو يختلفا . فان اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما ومراد لهما ، فيلزم وقوعه بهما ، وهو محال . وان اختلفا فاما ان يقع المرادان ، أو أحدهما ، أو لا يقع واحد منهما ؛ والكل محال ، فثبت ان الفساد لازم على كل التقديرات .
ومن الناس من قدح في دليل التمانع ، ففسر الآية بان المراد لو كان في السماء والأرض آلهة تقول بالهيتها عبدة الأوثان يلزم فساد العالم ، لأنها جمادات لا يقدر على تدبير العالم ، فليزم فساد العالم ، ذلك لأنه تعالى حكى عنهم أولا قولهم :
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ
« 1 » ثم بيّن فساد ذلك بقوله :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
« 2 » . فوجب أن يخصّ الدليل .
هامش
( 1 ) - الأنبياء ، 21 .
( 2 ) - الأنبياء ، 22 .