تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعه رسائل فلسفى صدر المتألهين — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
الذي لا بخل ولا منع ولا تقتير « 1 » فيه جوهر النفس وحقيقتها . فاذن وجود البدن بامكانه الاستعدادي ما استدعى الّا صورة مقارنة له ، متصرفة فيه بما هي صورته مقارنة ، ووجود المبدأ الفياض اقتضى صورة متصرفة ذات حقيقة مفارقة أو ذات مبدأ مفارق ؛ وكما أن الشئ الواحد يجوز ان يكون جوهرا من جهة ، وعرضا من جهة أخرى كماهية الجواهر الموجودة في الذهن ، لما تحقق ان صورتها العقلية جوهر بحسب الماهية ، عرض بحسب الوجود الذهني العقلي ، بل كيف وكذا يجوز ان يكون شئ واحد مجعولا من جهة ، وغير مجعول من جهة أخرى ، كالوجود والماهية « 2 » ، فكذلك يجوز ان يكون شئ واحد كالنفس مجردا من حيث كونه ذاتا عقلية ، وماديا من حيث كونه متصرفا في البدن . فإذا كانت النفس مجردة من حيث الذات والماهية ، ومادية من حيث الفعل ، فهي من حيث الفعل مسبوقة باستعداد البدن حادثة بحدوثه ، زائلة بزواله . واما من حيث حقيقتها أو مبدئها فغير مسبوقة باستعداد البدن الّا بالعرض ، ولا فاسدة بفساده « 3 » ولا يلحقها شئ من مثالب الماديات الّا بالعرض . فتدبّر . هذا ما سنح لنا في سالف الزمان على طريقة أهل النظر . واما الذي نراه الآن « 6 » في تحقيق الحال ورفع الاعضال ، فهو ان للنفس الانسانية مقامات ونشئات ذاتية ، بعضها في عالم الامر والتدبير ،
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
« 4 » ، وبعضها في عالم الخلق والتصوير ،
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
. « 5 » فالحدوث والتجدد انما يطرءان لبعض نشئآتها . فنقول : لمّا كانت للنفس ترقيات وتحولات من نشأة أولى إلى نشأة ثانية وإلى ما بعدها ؛ فإذا ترقّت وتحوّلت من عالم الخلق إلى عالم الامر يصير وجوده وجودا عقليا الهيا لا تحتاج حينئذ إلى البدن وأحواله واستعداده . فزوال استعداد البدن ايّاها لا يضرّها دواما وبقاء ، إذ ليس وجودها الحدوثى هو وجودها البقائى ، لأنّ ذلك مادي وهذا مفارق عن المادة فليس حال النفس في أول حدوثها
هامش
( 1 ) - ط : لا تعير ، لا الفتور .
( 2 ) - ط : كوجود الماهية ، خ : + لشئ واحد .
( 3 ) - خ : تفسده .
( 6 ) قارن : « الاسفار » ج 8 / 390 . و « تعليقة الهيات الشفاء » ، ص 170 .
( 4 ) - الاسراء ، 85 .
( 5 ) - الأعراف ، 11 .