عبثا ، فغاية العرض ليس الّا الحمل ، وجلّ جناب الإلهي عن أن يقع فعل من افعاله عبثا بلا غاية . فآدم عليه السّلام انّما ظلم نفسه بحمل الأمانة تاركا لحظوظ نفسه مراعيا لحقوق الحق لئلّا يقع عرض الأمانة من اللّه عبثا ، وأبى المخلوقات ان يحملنها لحظوظ أنفسهم ، فلا جرم قدّم اللّه « 1 » على الملائكة وامرهم بسجوده لظلمه على نفسه ايثارا لربّه .
وامّا جهله بنفسه فلأنه يحسب انّ نفسه هذه القوة البهيمية التي تشرب وتأكل وتنكح ، وما علم أن هذه الصورة الحيوانية هي قشرة ، ولها لبّ هو روحها ، وله لبّ هو محبوب الحق كما قال :
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
« 2 » . فمن أحب غير اللّه جهل نفسه وسفه ورغب عن ملّة إبراهيم عليه السّلام وهي مقام الخلّة ، ومن عبر عن قشره ووصل إلى لبّه الذي هو محبّ الحقّ ومحبوبه « 3 » فقد عرف نفسه ، ومن عرف نفسه فقد عرف ربّه بعرفان لا يشرك « 4 » معه .
فعلم مما ذكر ان سبب ارتقاء الانسان من طور إلى طور هو اشتماله على جهتي موت وحياة ، وضعف وقوة ، ونقص وكمال ، وبقاء وزوال ، وله روح حيواني فان ، وروح ملكي باق ، فباحدهما [ الف - 11 ] يقبل الموت والفناء ، وبالآخر يقبل الحياة والبقاء . وليس لغيره هذه الخاصية ، إذ الحيوانات اللحمية حيّة بروح فانية ، والملائكة حيّة بروح باقية ، قال اللّه تعالى :
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ، ثُمَّ جَعَلَ [ مِنْ ] بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً
« 5 » . فالضعف أصله ، ثم جعل له قوة عارضة ، ثم ردّه إلى أصله من الضعف وهو الشيبة ، فهذا الضعف الأخير انما اعدّه لإقامة النشأة الأخيرة كما قامت النشأة الأولى على الضعف الأول :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ
، « 6 » اى النشأة الثانية ، وقد ذكرها المولوي المعنوي في « المثنوى » :
هامش
( 1 ) - قدّمه اللّه - ظ
( 2 ) - المائدة ، 54 .
( 3 ) - م : - فمن أحبّ . . . محبوبه .
( 4 ) - لا شرك معه .
( 5 ) - الروم ، 54 . و « من » ساقط من النسخ .
( 6 ) - الواقعة ، 62 .