واليه الإشارة بقوله تعالى في حق بلعم بن باعور :
فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ . . .
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
« 1 » ، وقوله في فسقة أهل الكتاب وكفرتهم :
وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ
، هذا بحسب غلبة القوة الشهوية والغضبية فيهم وعبد الطّاغوت ، هذا بحسب غواية القوة الوهمية ، ولذا قال :
أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
« 2 » ، وقوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
« 3 » . وقد رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله في رؤية الباطن عيانا انّ قوما من بنى أمية ينزون « 8 » منبره نزو القردة ، فنزلت :
وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ
« 4 » - الآية .
فنعود إلى ما كنّا بصدده ونقول : امّا العالون المقربون وهم الكاملون في العلم والعمل ، فهم أصحاب المعارج ، المتجردون بالكلية عن الأجسام وعوارضها والبرازخ ولوازمها ، المنخرطون في سلك الملائكة العلّيين [ ب - 9 ] لفنائهم عن ذواتهم وبقائهم بالحق وعدم التفاتهم إلى ما سواه ، فهم اجلّ قدرا من ملائكة الأفلاك ونفوس الاملاك .
وامّا الاشكال الذي ذكره في صيرورة نفس الانسانية « 5 » اجلّ مرتبة وأعظم قدرا من النفوس الكلية « 6 » الفلكية ، وأقرب منزلة إلى الحق الأول منها بعد ان نزلت منها في أول تكوّنها ، فإنها صادرة عنه تعالى بهذه الوسائط ، فكيف يكون المعلول اشرف من العلل ؟ فإنما تنحلّ وتفكّ عقدته بان النفوس الفلكية كانت مبدعة في أول نشأتها على أكمل حالها ، لفعلية جواهرها ، وتمامية صورها ، وصفاء قوابلها ، وعدم ورود الاضداد عليها ، فليس لها الارتحال إلى درجة أخرى فوق ما هي عليها ، بل كلّ له « 7 » مقام معلوم ، إذ ليس حصولها من الجهات القابلية وحركاتها الاستعدادية الارتحالية من حال إلى حال ، هي بحسب جواهرها صادرة عن الحق الأول بجهات فاعلية ،
و
هامش
( 1 ) - الأعراف ، 175 - 176 .
( 2 ) - المائدة ، 60 .
( 3 ) - البقرة ، 171 .
( 8 ) في النسخ : يزوون .
( 4 ) - الاسراء ، 60 .
( 5 ) - كذا ، وفي الف : نفس انسانية .
( 6 ) - الف : - الكلية
( 7 ) - كذاه والظاهر : لها