تصونها عن الآفات ، ولا توجد الّا بمعاونة اعداد كثيرة من غيره ، فهو في حيوانيته شبيه بها « 1 » بالقوة ، وانّما يسخّر له الدوابّ والانعام وغيرها بقوة أخرى عقلية لا حيوانية ، وانما كان هكذا لتلازم ذاته الافتقار والذلة والحاجة إلى خالقه الذي تهيّئ له الأسباب بالاضطرار ، ومع هذه يذهل عن منبته وأصله بما عرض له من القوة التدبيرية ، ويقول انا ، ويمنى نفسه بمقابلة الأهوال ومقاتلة الابطال ، فإذا قرصه برغوث اظهر الجزع لوجود الألم ، ويزاله « 2 » عن موضعه أدنى مولم ، ولا يأخذه نوم ، فأين تلك الدعوى وقد فضحه قرصة برغوث أو بعوضة !
وهذا أصله ليعلم ان اقدامه على الأمور العظيمة انمّا هو بغيره لا بذاته كما قال :
وَأَيَّدْناهُ
« 3 » . ولهذا شرّع في كل ركعة :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
« 4 » ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه . فهذا بيان معاد النفوس « 5 » الكاملين في العلم والعمل ، وكيفية رجوعهم إلى الحق وعروجهم اليه ، وحلّ الاشكال الوارد على تجردهم غاية التجرّد وبرائتهم عن « 6 » الخلق غاية البراءة .
وامّا أحوال النفوس المتوسطة والسافلة ففي معرفتها بحسب العاقبة أيضا صعوبة شديدة ، إذ ليس لها درجة التجرد عن التعلق بالمواد بالكلية حتى تنخرط في سلك المفارقات العقلية ، ولم يجز تعلّقها بجرم آخر عنصرى لاستحالة التناسخ ، ولا بجرم فلكى كما زعمه الحكماء لما ستقف على استحالته ، والأجسام منحصرة في هذين ، ولنورد أحوال هذه النفوس حسب اختلاف اقسامها في مباحث خمسة :
الأول : في النفوس الساذجة .
والثاني : في النفوس العامية السليمة .
والثالث : في النفوس [ الف - 12 ] الشقية بحسب الجزء النظري .
هامش
( 1 ) - الف : بما .
( 2 ) - الف : زاله .
( 3 ) - البقرة ، 87 .
( 4 ) - الفاتحة ، 5 .
( 5 ) - نفوس - ظ .
( 6 ) - م : غاية .