في مرتبة تجسّمه شعور ضعيف بذاته وبحركاته وأفاعيله ، فلم يكن شعوره في درجة شعور ذوى الحواس الحيوانية ، فانّ لكل فعل وحركة شعورا لا يقا به ، والاحساس « 1 » الحيواني لأجل الحركات الحيوانية ، وكذا التخيل والروية لأجل الحركات التدبيرية والأفاعيل الفكرية ، واما الأفاعيل الذاتية فهي تنبعث من الشعور الذاتي والشبيح الفطري من الموجودات ، المنطوى شهودها لذواتها في شهودها للحقّ الاوّل ، وهي ذوات الساجدة للحقّ ، المصلّية الخاضعة له « 9 » المطيعة لامره ، الشاهدة المسبّحة له ، دائما لقوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
« 2 » ، وقوله تعالى :
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
« 3 » ، وقوله :
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
« 4 » وقوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
« 5 » ، وقوله :
وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
« 6 » . وهذا مما لا يدركه الّا أهل الكشف والشهود بالعيان المطابق للايمان والقرآن .
ففعل النبات لا يستقيم الّا بفاعل « 7 » مزاول وفاعل [ ب - 6 ] مفارق ينطوى وجود الاوّل في وجود الآخر وفعله في فعله ، والمزاول نفسه والمفارق عقله ، ومبدأ نوعه رب طلسمه بلغة الاشراق ؛ وكذلك لا يتم فعل تلك الملائكة المدبرة الّا بأمر رب الأرباب ومسبب الأسباب حيث شاء ، كما شاء بمشيّة أزلية وإرادة سرمدية .
وامّا قوله : « انّا لا نجد شعورا من أنفسنا بها » ، فلنتّهم أنفسنا في هذه الغفلة العريضة بعد قيام البرهان وسطوع نور القرآن ، فذلك لكثرة اشتغالنا بالأمور الخارجة عن ذاتنا ، وطول عكوفنا على باب الظلمات المنسية « 8 » المذهلة لنا عن أنفسنا ، وكلّ من راجع إلى ذاته يعلم هذه الجنود التي سخرها اللّه تعالى له بقوله :
وَسَخَّرَ لَكُمْ
هامش
( 1 ) - الف : في الاحساس .
( 9 ) - م : - له
( 2 ) - الاسراء ، 44 .
( 3 ) - الحشر : 1 .
( 4 ) - الجمعة ، 1 : يُسَبِّحُ لِلَّهِ . . . ، م : - وقوله يُسَبِّحُ . . . الْأَرْضِ .
( 5 ) - الحج ، 18 . وفي النسخ : ما .
( 6 ) - النور ، 41 .
( 7 ) - م : لفاعل .
( 8 ) - م : الماهية .