التي عروضها بضرب من الاعتبار وهي كالمتقدم والمتأخر والحادث والقديم والتام والناقص وفوق التمام والمستكفي والعلة والمعلول لكن الشيخ أخر مباحث العلة والمعلول وأوردها بعد مباحث الماهية لمصلحة رآها ومناسبة راعاها فإن العلة المادية يناسب الجنس والعلة الصورية يناسب الفصل بالقياس إلى الحد المركب منهما والفاعل يناسب الفصل أيضا ولكن بالقياس إلى حصة الجنس في النوع والغاية يناسب طبيعة النوع بالقياس إلى طبيعة الجنس سيما في المركبات الخارجية
[ الفصل الأول : في بيان المتقدم والمتأخر والحدوث ]
قوله فصل في المتقدم والمتأخر والحدوث أن الأشياء المبحوث عنها في هذا العلم الباحث عن أحوال الموجود بعضها أمور تقع من الوجود موقع الأنواع له وإن لم يكن أنواعا له بالحقيقة لما قد نبهناك عليه سابقا من أن الوجود ليس بجنس لما تحته من الحقائق ولكن ليس بخارج عنها أيضا وهي كالمقولات وأنواعها ومنها أمور يجري مجرى الأنواع للوحدة وإن لم يكن أنواعا لها كما عرفت كأقسام الوحدة من الشخصية والنوعية والجنسية وغيرها ومنها أمور هي كالعوارض والخواص للموجود ومنها أمور هي كالخواص والعوارض للوحدة فلا شك أن البحث عما هو كالأنواع أحق بالتقديم على البحث عما هو كالعوارض وكذا البحث عن أحوال الوجود أحق بالتقديم من البحث عن أحوال الوحدة ولذلك بدأ الشيخ بذكر عوارض الوجود قبل ذكر عوارض الوحدة كما بدأ بالتي هي كالأنواع سابقا على التي هي كالعوارض وبما هو من أقسام الوجود قبل ما هو من أقسام الوحدة رعاية لحسن ترتيب النظام وقد بينا لك أيضا كيفية كون هذه الأمور من عوارض الوجود لا من أقسامها مع أنها من جملة الموجودات بوجه دقيق فتذكره قوله إن التقدم والتأخر وإن كان مقولا على وجوه كثيرة إلى آخره قد وقع الناس اختلاف في أن إطلاق التقدم على أقسام المذكورة أيكون بمجرد اللفظ أو بحسب المعنى وهل بالتواطؤ أم بالتشكيك وأكثر المتأخرين أخذوا أنها واقعة على الكل بمعنى واحد متواطي لا بالتشكيك وذهب الشيخ إلى أنه معنى واحد واقع على أفراده بالتشكيك وذلك المعنى هو أن يكون للمتقدم من حيث هو متقدم شيء وليس للمتأخر ويكون لا شيء للمتأخر إلا وهو موجود للمتقدم وأورد عليه أن هذا منقوض بالمتقدم الذي بطل وجوده عند وجود المتأخر إذ لا شك أنه متقدم بالزمان ثم الذي للمتأخر بالزمان ليس موجودا للمتقدم عند وجود المتأخر ولا أيضا كان موجودا له كما أن ما للمتقدم من الزمان ما وجد للمتأخر أصلا بل كل جزء من أجزاء الزمان مختص بهوية لا توجد في غيره ويمكن الجواب بأن ملاك التقدم في كل قسم من الأقسام شيء من نوع ما فيه التقدم أو من جنسه فملاك التقدم في المتقدم بالزمان نفس طبيعة الزمان ولا شك أن هذه الطبيعة يكون متحققة فيما هو متقدم حين ما ليست متحققة فيما هو متأخر ولا يتحقق في المتأخر إلا وقد تحققت في المتقدم وليس الغرض هاهنا تعريف القدر المشترك ليلزم الدور بإيراد لفظ التقدم والتأخر بل التنبيه على القدر المشترك ثم إن قوله على الإطلاق ويكون لا شيء للمتأخر إلا وقد وجد للمتقدم ليس بسديد فقد يوجد كثير من المعاني للمتأخر ولا يوجد مثلها للمتقدم كالجوهرية الجسمية في المبدعات والكائنات المتأخر وجودها عن الأول تعالى فكان ينبغي أن يقيد ذلك بما يكون من جنس ما فيه التقدم وكأنه المراد وإن لم يصرح في اللفظ وقال بعض العلماء إن جميع أصناف التقدم اشتركت في أنه يوجد للمتقدم الأمر الذي فيه التقدم أولى من المتأخر وذكر صاحب المطارحات أن هذا ليس بصحيح فالمتقدم بالزمان ليس فيه من باب الزمان أمر أولى به من المتأخر أما مطلق الزمان فليس أحدهما أولى من الآخر وأما الزمان الخاص فقد اختلفا فيه وليس يوجد لكليهما حتى يقع فيه الأولوية ولا يمكن أن يقال هذه الأولوية بحسب التقدم فإن المطلوب تحصيل معنى التقدم ثم إذا فرض اثنان متقدم ومتأخر بالزمان لم يجز أن يحكم بأن السابقية بأحدهما أولى فإنه بالنسبة إلى الثاني متقدم من جميع الوجوه والثاني بالنسبة إليه متأخر لا غير وليس معهما ثالث في هذا النظر حتى يقال أحدهما أولى بالتقدم على ذلك الثالث من الثاني وإذا اعتبر كلاهما متقدمين بالقياس إلى ثالث ففي ذلك النظر وإن كان أحدهما أولى بالتقدم عليه من الآخر لكن كلاهما متقدمين لا أن أحدهما متقدم والآخر متأخر وقد ذهب بعض الناس إلى أن وقوعه على الأقسام بالاشتراك اللفظي وفي هذا القول تعسف إن أريد به الاشتراك بالقياس إلى جميع الأقسام فإن وجود المعنى المشترك بين بعض الأقسام مما لا خفاء فيه كإطلاق التقدم بالطبع والتقدم بالعلية بل كإطلاقه عليهما وعلى التقدم بالماهية كما ستعلم فلا يبعد أن يكون إطلاقه على البعض بالاشتراك المعنوي وعلى البعض بالاشتراك النقلي أو التجوز وأيضا لا يبعد أن يكون في المنقول اللغوي أو المجاز اللغوي
حقيقة اصطلاحية فإن الشيخ وغيره من الحكماء لما وجدوا جميع ما يطلق عليه لفظ التقدم اشتركت في معنى واحد وهو التفاوت أو الأولوية في أمر جامع ومعنى متفق كالزمان أو المكان والرتبة أو الوجود أو وجوب الوجود أو الفضل والشرف حكموا بكونها أقساما لمعنى واحد وبما ذكرنا اندفع ما توهم بعضهم من التناقض في كلام الشيخ حيث قررا ولا وجود المعنى المشترك بين أقسام التقدم ثم ذكر وجوه النقل من معنى إلى معنى وأما ما أورده صاحب المطارحات من أن المتقدم بالزمان ليس أولى بالزمان من المتأخر قلنا بل هو أولى لأنه أقدم كيف والتقدم يلزمه الأولوية قوله المطلوب تحصيل معنى التقدم قلنا ليس الغرض إلا التنبيه على القدر المشترك لا التعريف الحقيقي فيكفي التعريف اللفظي سلمنا لكن قولنا لأنه أقدم معناه أنه أقدم بحسب الزمان وهو غير ما هو المطلوب اشتراكه بين التقدمات فلا مصادرة فيما قلناه وقوله ثانيا ثم إذا فرض اثنان إلى آخره قلنا نحن لا نقول إن أحدهما أولى بالزمان من الآخر فلا يرد عليه ما أورده نعم أقسام التقدم